مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٢١ - كتاب الجنايات (القصاص)
«ذٰلِكَ» إشارة إلى جميع ما تقدّم من الأحكام «تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ» يعنى أنّ جعل القصاص في مقابلة قتل العمد و العفو عنه تخفيف من اللّه عليكم و رحمة لكم حيث لم يلزمكم بأحدهما فقط كما الزم اليهود القصاص فقط و أهل الإنجيل العفو فقط و ظاهر انّ توسيع الأمر تخفيف.
«فَمَنِ اعْتَدىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ» بان قتل بعد العفو أو قبول الدّية و هو المرويّ عن الصّادقين (عليهم السلام) و قيل: بان قتل غير قاتله سواء قتله أيضا أم لا أو طلب أكثر ممّا وجب له من الدّية، و قيل: بان تجاوز الحدّ بعد ما بيّن له كيفية القصاص، و قال قوم:
يحمل على الجميع لعموم اللفظ.
«فَلَهُ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» في الآخرة كذا في المجمع و الكشاف و يحتمل كونه في الدّنيا أيضا بالقصاص و التّعزير:
الثالثة:
«وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ» أي في شرعه و إيجابه فإن القصاص ازالة الحياة و ازالة الشيء لا يكون نفس ذلك الشيء و هو كلام في غاية الفصاحة و البلاغة لما فيه من الغرابة و ذلك لانّ القصاص قتل و تفويت للحياة و قد جعل مكانا و ظرفا للحياة و من إصابة نحر البلاغة بتعريف القصاص و تنكير الحياة لأنّ المعنى و لكم في هذا الجنس من الحكم الّذي هو القصاص حياة عظيمة.
و ذلك أنّهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة و كم قتل مهلهل بن ربيعة بأخيه كليب حتّى كاد يفنى بكر بن وائل و كان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة و يقع بينهم التّشاجر فلمّا جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة و أيّ حياة أو نوع من الحياة و هي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل فإذا همّ بالقتل و علم انّه يقتصّ منه ارتدع عنه و سلم صاحبه من القتل و سلم هو من القتل فكان القصاص سببا لحياة نفسين.
و هو نظير قول العرب: القتل أنفى للقتل إلّا أنّ ما هنا أكثر فائدة و أوجز عبارة و أبعد من الكلفة بتكرير الجملة و أحسن تأليفا بالحروف المتلائمة ليعلم ذلك