كتاب الحج (للشيخ الأنصاري) - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٠٦ - وجوب الحج بالنذر و أخويه

لم يتحقّق سببيّته لوجوب حجّة النذر؛ لأنّ فوريّة حجّة الإسلام يمنع من جواز الإتيان بالمنذورة، فلا يكون الاستطاعة في هذه السنة سببا لوجوبها، مع أنّ مقتضى النذر المتقدّم فعليّة وجوب الحجّ في هذه السنة. و لا يتوهّم أنّ سببيّته فرع انتفاء المانع و هو موجود- أعني فوريّة حجّة الإسلام [١]-؛ لأنّا نمنع فوريّة حجّة الإسلام- بل حدوث وجوبها- مع تقدّم النذر.

فعلم من ذلك: أنّ الاستطاعة الحادثة لا يجوز أن يكون سببا لوجوب الحجّتين؛ لأنّ مرادنا من سببيّة الاستطاعة ما يوجب استقرار الوجوب [و وجوبها] [٢] و لو بعد زوال الاستطاعة، و لهذا لا يكون الاستطاعة المتبرّعة المجامعة لوجود بعض الموانع سببا للوجوب، بل لا بدّ من بقائها في سنة ارتفاع المانع، بل الّتي تجامع المانع لا تسمّى استطاعة شرعيّة؛ لأنّ المراد بها الزاد و الراحلة و صحّة البدن و الأمن و إمكان المسير عقلا و شرعا.

و المكلّف بما ينافي الحجّ ممنوع من المسير شرعا، و المانع الشرعيّ كالعقليّ، فلا بدّ أن يكون سببا لإحدى الحجّتين. و يتعيّن أن يكون حجّة النذر؛ لتقدّم سببها المانع من حدوث الخطاب بما ينافي المسبّب.

و هذا بخلاف ما لو كان استطاعة النذر عقليّة. فإنّ وجوب حجّة النذر على وجه الوسعة ثابت قبل حدوث الاستطاعة. و الاستطاعة يصير سببا لوجوب حجّة الإسلام فورا، و لا دخل لها لوجوب حجّة النذر، فهو كالكسوف الحادث بعد الزوال و اجتماع شرائط وجوب صلاة الظهر.

فإن قلت: إنّا نفرض وجوب حجّة النذر موقوفا عقلا على وجود المال الّذي به يحصل الاستطاعة الشرعيّة أيضا، فحينئذ لا بدّ من أن يحكم بتقديم حجّة النذر أيضا؛ لعين ما ذكر.


[١] في الأصل: فورية حجّة لمانع.

[٢] الظاهر كونه زائدا.