فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٨٤ - التصديق ومصدره الأساسي
عن غيرها ؟
وفي هذا المسألة عدّة مذاهب فلسفية ، نتناول بالدرس منها المذهب العقلي والمذهب التجريبي ، فالأوّل هو المذهب الذي ترتكز عليه الفلسفة الإسلامية ، وطريقة التفكير الإسلامي بصورة عامّة . والثاني هو الرأي السائد في عدّة مدارس للمادّية ومنها المدرسة الماركسية [١] .
[١] وقد توصّل المؤلّف (قُدِّسَ سِرُّه) بعد تأليفه لهذا الكتاب إلى مذهب ثالث للمعرفة عرضه في كتابه القيّم (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) وسمَّاه بـ (المذهب الذاتي للمعرفة) تمييزاً له عن المذهبين الآخرين ، وهذا المذهب يتّفق مع المذهب العقلي في الإيمان بوجود قضايا ومعارف يدركها الإنسان بصورة قبليّة ومستقلّة عن الحسّ والتجربة ، وأنّ هذه القضايا تشكّل الأساس للمعرفة البشريّة ، خلافاً للمذهب التجريبي الذي يؤمن بأنّ التجربة والخبرة الحسّية هي المصدر الوحيد للمعرفة ، فلا توجد لدى الإنسان أيّ معرفة قبليّة بصورة مستقلّة عن الحسّ والتجربة ، ففي هذه النقطة يتّفق المذهب الذاتي للمعرفة مع المذهب العقلي ، ولكنّه يختلف معه اختلافاً أساسيّاً في تفسير نموّ المعرفة ، بمعنى أنّ هذه المعارف القبليّة الأوّلية كيف يمكن أن تنشأ منها معارف جديدة ؟ فالمذهب العقلي لا يعترف عادة إلاّ بطريقةٍ واحدة لنموّ المعرفة ، وهي طريقة التوالد الموضوعي التي تعتمد على التلازم بين الواقع الموضوعي للمعارف القبليّة والواقع الموضوعي للمعرفة الجديدة ، بينما يؤمن المذهب الذاتي بوجود طريقة أُخرى أيضاً لنموّ المعرفة ، وهي طريقة التوالد الذاتي التي تعني نشوء معرفةٍ من معارف أُخرى قبليّة لا على أساس التلازم بين الواقع الموضوعي لتلك المعارف القبليّة والواقع الموضوعي للمعرفة الجديدة ، بل على أساس التلازم بين ذات تلك المعارف القبليّة بوصفها اعتقادات ذهنيّة وذات المعرفة الجديدة بوصفها كذلك ، من دون ضرورة التلازم بين الموضوعات الواقعيّة لتلك المعارف في خارج الذهب والموضوع الواقعي للمعرفة الجديدة في خارج الذهن أيضاً ، ويعتقد هذا المذهب أنّ الجزء الأكبر من معارفنا يمكن تفسيره على هذا الأساس . (لجنة التحقيق)