فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩ - الإسلام والمشكلة الاجتماعيّة
وكلّ نظام اجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والإحساس ، فهو إمّا نظام يجري مع الفرد في نزعته الذاتية ، فتتعرّض الحياة الاجتماعية لأقسى المضاعفات وأشدّ الأخطار ، وأمّا نظام يحبس في الفرد نزعته ويشلّ فيه طبيعته ؛ لوقاية المجتمع ومصالحه ، فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته ، والأفراد ونزعاتهم ، بل يتعرّض الوجود الاجتماعي للنظام ـ دائماً ـ للانتكاس على يد منشئه ما دام هؤلاء ذوي نزعات فردية أيضاً ، وما دامت هذه النزعات تجد لها ـ بكبت النزعات الفردية الأُخرى وتسلّم القيادة الحاسمة ـ مجالاً واسعاً وميداناً لا نظير له للانطلاق والاستغلال .
وكلّ فهم معنوي للحياة وإحساس خُلُقي بها لا ينبثق عنهما نظام كامل للحياة يحسب فيه لكلّ جزء من المجتمع حسابه ، وتعطى لكلّ فرد حرّيته التي هذّبها ذلك الفهم والإحساس ، والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما ، أقول : إنّ كلّ عقيدة لا تلد للإنسانية هذا النظام فهي لا تخرج عن كونها تلطيفاً للجوّ وتخفيفاً من الويلات ، وليست علاجاً محدوداً وقضاءً حاسماً على أمراض المجتمع ومساوئه . وإنّما يشاد البناء الاجتماعي المتماسك على فهم معنوي للحياة وإحساس خُلُقي بها ، ينبثق عنهما ، يملأ الحياة بروح هذا الإحساس وجوهر ذلك الفهم .
وهذا هو الإسلام في أخصر عبارة وأروعها ، فهو : عقيدة معنوية وخُلُقية ، ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية ، يرسم لها شوطها الواضح المحدَّد ، ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الشوط ، ويعرّفها على مكاسبها منه .
وأمّا أن يقضى على الفهم المعنوي للحياة ، ويجرّد الإنسان عن إحساسه الخُلُقي بها ، وتعتبر المفاهيم الخُلُقية أوهاماً خالصة خلقتها المصالح المادّية ، والعامّل الاقتصادي هو الخلاّق لكلّ القيم والمعنويات ، وترجى بعد ذلك سعادة