فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧٦ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
على نسبة معيّنة . والنظرية القائلة : بأنّ مردّ اختلاف الأجسام في سرعة سقوطها إلى مقاومة الهواء ، لا إلى اختلاف كتلتها ، التي ولدت كحدس علمي ، ثمّ استطاع العلم أن يوضّح صدقها بالتجارب التي أجريت على الأجسام المتنوّعة في مكان خالٍ من الهواء ، فدلّت على أنّها تشترك جميعاً في درجة معيّنة من السرعة . أقول : إنّ هذه النظريات وآلاف النظريات الأخرى التي مرّت كلّها بالمرحلة التي أشرنا إليها من التطوّر ، باجتيازها درجة الفرضية إلى درجة القانون ، لا تعبّر في اجتيازها وتطوّرها هذا عن نموّ في نفس الحقيقة ، بل عن الاختلاف في درجة التصديق العلمي بها . فالفكرة هي الفكرة ، غير أنّها نجحت في الامتحان العلمي ، وانكشف لذلك أنّها حقيقة ، بعد أن كان مشكوكاً فيها .
ثمّ إنّ هذه النظرية بعد أن تحتلّ موضعها من القوانين العلمية ، تأخذ مجالها في التطبيق ، وتكسب صفتها كمرجع علمي لتفسير ظواهر الطبيعة التي تبدو لدى المشاهدة أو التجربة ، واستكشاف حقائق وأسرار جديدة . ومهما استطاعت أن تستكشف مزيداً من الحقائق المجهولة ، ثم تؤكّد التجربة بعد ذلك صحّة استكشافها ، ازدادت رسوخاً ووضوحاً في الذهنية العلمية . ولذلك عُدّ من الانتصارات الكبرى لقانون الجاذبية العامّة ، أن استكشف العلماء كوكب (نبتون) على ضوء قانون الجاذبية ومعادلاته الرياضية ، ثمّ أيّدت وجوده المشاهدات العلمية بعدئذٍ . وهذا ـ أيضاً ـ ليس إلاّ لوناً من ألوان شدّة الوثوق العلمي بصحّة النظرية وصوابها .
ثمّ إن حالف التوفيق النظرية في المجال العلمي على طول الخطّ ، ثبتت نهائياً . وأمّا إذا بدأت تضيق عن الانطباق على الواقع المدروس علمياً ، بعد تدقيق الأجهزة والوسائل ، وتعميق الملاحظة والفحص ، فتبدأ النظرية عند ذاك مرحلة التعديل والتجديد ، وفي هذه المرحلة قد تضطرّ المشاهدات والتجارب الجديدة