فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٤ - نظرية المعرفة في فلسفتنا
السبب لحدّ الآن مجهول ومردّد بين طائفة من الأشياء ، فكيف يتاح تعيينه من بينها ؟
ويستعين العالم الطبيعي في هذه المرحلة بمبدأ من المبادئ الضرورية العقلية ، وهو المبدأ القائل : (باستحالة انفصال الشيء عن سببه) ، ويدرس على ضوء هذا المبدأ تلك الطائفة من الأشياء التي يوجد بينها السبب الحقيقي للحرارة ، فيستبعد عدّة من الأشياء ويسقطها من الحساب ، كدم الحيوان مثلاً ، فهو لا يمكن أن يكون سبباً للحرارة ؛ لأنّ هناك من الحيوانات ما دماؤها باردة ، فلو كان هو السبب للحرارة لما أمكن أن تنفصل عنه ويكون بارداً في بعض الحيوانات .
ومن الواضح : أنّ استبعاد دم الحيوان عن السببية لم يكن إلاّ تطبيقاً للمبدأ الآنف الذكر الحاكم بأنّ الشيء لا ينفصل عن سببه ، وهكذا يدرس كل شيء ممّا كان يظنّه من أسباب الحرارة ، فيبرهن على عدم كونه سبباً بحكم مبدأ عقلي ضروري . فإن أمكنه أن يستوعب بتجاربه العلمية جميع ما يحتمل أن يكون سبباً للحرارة ، ويدلّل على عدم كونه سبباً ـ كما فعل في دم الحيوان ـ ، فسوف يصل في نهاية التحليل العلمي إلى السبب الحقيقي ـ حتماً ـ بعد إسقاط الأشياء الأخرى من الحساب ، وتصبح النتيجة العلمية ـ حينئذٍ ـ حقيقة قاطعة ؛ لارتكازها بصورة كاملة على المبادئ العقلية الضرورية . وأمّا إذا بقي في نهاية الحساب شيئان أو أكثر ولم يستطع أن يعيّن السبب على ضوء المبادئ الضرورية ، فسوف تكون النظرية العلمية في هذا المجال ظنّية [١] .
[١] حاصل هذا الكلام أنّ التجربة التي ينتقل فيها الذهن من استقراء الموضوعات الجزئيّة إلى قواعد وقوانين عامّة لا يمكن أن تورث القطع بالنتيجة المطلوبة إلاّ إذا ضّمّت إليها
ï