فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢١ - الإدراك في مفهومه الفلسفي
الميتافيزيقي للإدراك .
وقد يخطر هنا على بعض الأذهان أنّ مسألة إدراك الصورة في أشكالها ، وحجومها ، وأبعادها ومسافاتها ، قد أجاب عليها العلم ، وعالجتها البحوث السيكولوجية ؛ إذ أوضحت أنّ هناك عدّة عوامل بصرية وعضلية تساعدنا على إدراك تلك الخصائص الهندسية .
فحاسّة البصر لا تدرك سوى الضوء واللون ، وأمّا إدراك الخصائص الهندسية للأشياء ، فهو يتوقّف على ارتباط اللمس بحركات وأحاسيس خاصّة . فلو جرّدنا الإحساس البصري عن كلّ إحساس آخر ، لبدت لنا نقاط من الضوء واللون فحسب ، ولما أُتيح لنا إدراك الأشكال والحجوم ، حتّى إنّا كنّا نعجز عن التمييز بين كرة ومكعّب ؛ وذلك لأنّ الكيفيات الأوّلية والأشكال من مدركات اللمس ، وبتكرار التجربة اللمسية ينشأ تقارن بين مدركات اللمس من تلك الكيفيات ، وبين عدّة من الإحساسات البصرية كاختلاف خاصّة في الأضواء والألوان المبصرة ، وعدّة من الحركات العضلية كحركة تكييف العين لرؤية الأشياء القريبة والبعيدة ، وحركة التلاقي في حالة الإبصار بالعينين . وبعد أن ينشأ هذا التقارن يمكننا أن نستغني في إدراك الحجوم والأشكال عن الإحساسات اللمسية بما اقترن بها من إحساسات وحركات عضلية . فإذا أبصرنا كرة بعد هذا ، استطعنا أن نحدّد شكلها وحجمها دون أن نلمسها ، اعتماداً على الإحساسات والحركات العضلية التي اقترنت بمدركات اللمس .
وهكذا ندرك أخيراً الأشياء بخصائصها الهندسية ، لا بالإحساس البصري فحسب ، بل بالإبصار مع ألوان أخرى من حركات حسّية ، أصبحت ذات مدلول هندسي بسبب اقترانها بمدركات اللمس ، غير أنّ العادة لا تجعلنا نشعر بذلك .
ونحن لا نريد أن ندرس نظرية العوامل العضلية والبصرية من ناحية علمية ؛