فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩٤ - المادّة والوجدان
المادّة والوجدان
إنّ موقفنا من الطبيعة ، وهي زاخرة بدلائل القصد والغاية والتدبير ، كموقف عامل يكتشف في حفرياته أجهزة دقيقة مكتنزة في الأرض ، فإنّ هذا العامّل سوف لا يشكّ في أنّ هناك يداً فنّانة ركّبت تلك الأجهزة بكلّ دقّة وعناية ، تحقيقاً لأغراض معيّنة منها ، وكلّما عرف العامل حقائق جديدة عن دقّة الصنع في تلك الأجهزة ، وآيات الفن والإبداع فيها ، ازداد إكباراً للفنّان الذي أنشا تلك الأجهزة وتقديراً لنبوغه وعقله . فكذلك نقف ـ أيضاً ـ نفس هذا الموقف الذي توحي به طبيعة الإنسان ووجدانه من الطبيعة بصورة عامّة ، مستوحين من أسرارها وآياتها عظمة المبدع الحكيم الذي أبدعها ، وجلال العقل الذي انبثقت عنه .
فالطبيعة ـ إذن ـ صورة فنية رائعة ، والعلوم الطبيعية هي الأدوات البشرية التي تكشف عن ألوان الإبداع في هذه الصورة ، وترفع الستار عن أسرارها الفنّية وتموّن الوجدان البشري العام بالدليل تلو الدليل على وجود الخالق المدبّر الحكيم وعظمته وكماله . وهي كلّما ظفرت في شتّى ميادينها بنصر ، أو كشفت عن سرّ ، أمدّت الميتافيزيقية بقوّة جديدة ، وأتحفت الإنسانية بدليل جديد على العظمة الخلاّقة المبدعة التي أبدعت تلك الصورة الخالدة ونظمتها بما يدعو إلى الدهشة والإعجاب والتقديس . وهكذا لا تدع الحقائق التي أعلنها العلم الحديث مجالاً للريب في مسألة الإله القادر الحكيم . فإذا كانت البراهين الفلسفية تملأ العقل يقيناً واعتقاداً ، فإنّ المكتشفات العلمية الحديثة تملأ النفس ثقة وإيماناً بالعناية الإلهية ، والتفسير الغيبي للأصول الأُولى للوجود .