فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧٩ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
مجموعة نظريات وقوانين ، ومعنى تكامله كذلك زيادة حقائقه وقلّة أخطائه كمياً .
وأخيراً نريد أن نعرف ماذا تستهدف الماركسية من تطوّر الحقيقة ؟ إنّ الماركسية ترمي من وراء القول بتطوّر الحقيقة ، وتطبيق الديالكتيك عليها إلى أمرين :
أوّلاً : نفي الحقيقة المطلقة ؛ لأنّ الحقيقة إذا كانت في حركة ونموّ دائمين ، فلا توجد حقائق ثابتة بأشكال مطلقة ، وبالتالي تتهدّم الحقائق الثابتة الميتافيزيقية التي تدين بها الإلهية .
ثانياً : نفي الخطأ المطلق في سير التطوّر العلمي . فالتطوّر العلمي في عرف الديالكتيك لا يعني أنّ النظرية السابقة خطأ بصورة مطلقة ، بل هي حقيقة نسبية ، أي : أنّها حقيقة في مرحلة خاصّة من التطوّر والنموّ . وبهذا وضعت الماركسية ضمانات الحقيقة في مختلف أدوار التكامل العلمي .
وينهار كلا هذين الأمرين على ضوء التفسير الصحيح المعقول للتطوّر العلمي بالمعنى الذي شرحناه . فهو بموجب هذا التفسير ليس نموّاً لحقيقة معيّنة ، بل انكشافات جديدة لحقائق لم تكن معلومة ، وتصحيحات لأخطاء سابقة ، وكلّ خطأ يصحّح هو خطأ مطلق ، وكلّ حقيقة تستكشف هي حقيقة مطلقة .
أضف إلى ذلك : أنّ الماركسية وقعت في خلط أساسي بين الحقيقة بمعنى الفكرة ، والحقيقة بمعنى الواقع الموضوعي المستقلّ . فالميتافيزيقا تعتقد بوجود حقيقة مطلقة بالمعنى الثاني ، فهي تؤمن بواقع موضوعي ثابت وراء حدود الطبيعة ، ولا يتنافى هذا مع عدم ثبات الحقيقة بالمعنى الأوّل وتطوّرها المستمرّ ، فهب أنّ الحقيقة في ذهن الإنسان متطوّرة ومتحرّكة أبداً ودائماً ، فأيّ ضرر يلحق من ذلك بالواقع الميتافيزيقي المطلق الذي تعتقد به الإلهية ، ما دمنا نقبل إمكان وجود واقع موضوعي مستقلّ عن الشعور والإدراك ؟! وإنّما يتمّ للماركسية