فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٩ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
ولا من مدركات التجربة .
كما يترتّب عليه ـ أيضاً ـ أنّ الحقيقة في العلوم الطبيعية نسبية دائماً ؛ لأنّ تلك الروابط داخلة في صميم معارفنا عن الظواهر الخارجية ، وهي روابط ذاتية ، فيختلف الشيء في ذاته عن الشيء لنا .
وتنطوي نظرية (كانت) هذه على خطأين أساسيين :
الأوّل ـ أنّها تعتبر العلوم الرياضية منشئة للحقائق الرياضية ومبادئها ، وبهذا الاعتبار ارتفع (كانت) بمبادئ الرياضة وحقائقها عن إمكان الخطأ والتناقض ما دامت مخلوقة للنفس ومستنبطة منها ، وليست مستوردة من الخارج ليشكّ في خطأها أو تناقضها .
ولكنّ الحقيقة التي يجب أن تقوم عليها كلّ فلسفة واقعية هي : أنّ العلم ليس خلاّقاً ومنشأً ، وإنّما هو كاشف عمّا هو خارج حدوده الذهنية الخاصّة ، ولولا هذا الكشف الذاتي لما أمكن الردّ على المفهوم المثالي مطلقاً ، كما سبق . فعلمنا بأنّ ٢ + ٢ = ٤ هو علم بحقيقة رياضية معيّنة ، وليس معنى علمنا بها أنّنا ننشِئُها ونخلقها في داخل نفوسنا كما تحاول المثالية أن تفسّر العلم بذلك ، بل العلم في طبيعته كالمرآة ، فكما أنّ المرآة تدلّل على وجود واقع للصورة المنعكسة فيها خارج حدودها ، كذلك العلم يكشف عن حقيقة مستقلّة ، ولأجل ذلك كان ٢ + ٢ = ٤ ، سواءٌ أكان يوجد مفكّر رياضي على وجه الأرض أم لا ، وسواءٌ أدرك هذه الحقيقة إنسان أم لا . ومعنى ذلك : أنّ المبادئ والحقائق الرياضية لها واقع موضوعي ، فهي قوانين تعمل وتجري ، وليست العلوم الرياضية إلاّ انعكاسات لها في الذهن البشري . وعلى هذا تكون كالمبادئ والقوانين الطبيعية تماماً من حيث كونها واقعاً مستقلاً ينعكس في العقل ، فنواجه السؤال عن إنعاكسها الذهني ومدى صحّته ودقّته ، كما نواجه ذلك السؤال في سائر العلوم . وليس لهذا السؤال إلاّ