فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٦ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
التجريبي من تلك الأحكام العقلية ، فهو الإحساسات المستوردة بالتجربة من الخارج ، بعد صبّ الحسّ الصوري لها في قالبي الزمان والمكان . وأمّا الجانب العقلي فهو الرابطة الفطرية التي يسبغها العقل على المدرَكات الحسّية ؛ ليتكوّن من ذلك علم ومعرفة عقلية . فالمعرفة ـ إذن ـ مزيج من الذاتية والموضوعية ، فهي ذاتية في صورتها ، وموضوعية في مادّتها ؛ لأنّها نتيجة التوحيد بين المادّة التجريبية المستوردة من الخارج ، وإحدى الصور العقلية الجاهزة فطرياً في العقل .
فنحن نعرف ـ مثلاً ـ أنّ الفلزات تتمدّد بالحرارة ، وإذا أخذنا هذه المعرفة بشيء من التحليل نتبيّن أنّ موادّها الخام ، وهي : ظاهرة التمدّد في الفلزات وظاهرة الحرارة ، جاءت عن طريق التجربة ، ولولاها لما استطعنا أن ندرك هذه الظواهر . وأمّا الناحية الصورية في المعرفة أي : سببية إحدى الظاهرتين للأخرى فليست تجريبية ، بل مردّها إلى مقولة العلّية التي هي من مقولات العقل الفطرية ، فلو لم نكن نملك هذه الصورة القبلية لما تكوّنت معرفة . كما أنّا لو لم نحصل على الموادّ بالتجربة لما تحقّقت لنا معرفة أيضاً .
فالمعرفة توجد بتكييف العقل للموضوعات التجريبية بإطاراته وقوالبه الخاصّة ، أي : مقولاته الفطرية ، لا أنّ العقل هو الذي يتكيّف وأنّ إطاراته وقوالبه هي التي تتبلور تبعاً للموضوعات المدرَكة . فالعقل في ذلك نظير شخص يحاول أن يضع كمية من الماء في إناء ضيّق لا يسعها ، فيعمد إلى الماء فيقلّل من كمّيته ؛ ليمكن وضعه فيه بدلاً عن أن يوسع الإناء ليستوعب الماء كلّه .
وهكذا يتّضح الانقلاب الفكري الذي أحدثه (كانت) في مسألة الفكر الإنساني ؛ إذ جعل الأشياء تدور حول الفكر وتتبلور طبقاً لإطاراته الخاصّة ، بدلاً عمّا كان يعتقده الناس : من أنّ الفكر يدور حول الأشياء ويتكيّف تبعاً لها .