فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٤ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
العقلية إلى ثلاث طوائف [١] :
الأولى : الرياضيات . والأحكام العقلية فيها كلّها أحكام تركيبية أوّلية سابقة على التجربة ؛ لأنّها تعالج موضوعات فطرية في النفس البشرية : فالهندسة تختصّ بالمكان ، والحساب موضوعه هو العدد ، والعدد عبارة عن تكرار الوحدة ، والتكرار معناه التعاقب والتتابع ، وهذا هو الزمن في مفهومه الفلسفي عند (كانت) . وإذن فالقطبان الرئيسيان اللذان تدور حولهما المبادئ الرياضية هما : المكان ، والزمان . والمكان والزمان في رأي (كانت) صورتان فطريتان في الحسّاسية الصورية للإنسان ، أي : أنّ صورتيهما موجودتان في الحسّ الصوري بصورة
[١] ينبغي للقارئ أن يعرف شيئاً عن تحليل المعرفة في رأي (كانت) ، لتتّضح له نظريته في قيمة المعرفة وإمكانها ، فهو يرى أنّ الحسّ التجريبي يستورد الموضوعات التجريبية بصورة مشوّشة ، فتنشأ بذلك إحساسات متفرّقة : فالطعم الذي جاء على اللسان ، لا يرتبط بالرائحة التي سلكت عن طريق الأنف ، ولا باللمعة الخاطفة من الضوء التي أثّرت على شبكية العين ، ولا بالصوت الذي طرق الإذن . وهذه الأشتات الحسّية تتوحّد في قالبين موجودين في الحسّ بالفطرة ، وهما : قالبا الزمان ، والمكان ، فينتج عن ذلك إدراك حسّي أو معرفة حسّية لشيء معيّن ، فهذه المعرفة في مادّتها مستوردة من التجربة ، وفي صورتها فطرية ترجع إلى الزمان والمكان . والإدراكات الحسّية بدورها هي موادّ خامّ تقدّم بين يدي العقل ؛ لتتكوّن منها معرفة عقلية . والعقل يملك عدّة قوالب فطرية نظير القوالب التي يملكها الحسّ ، فيصبّ تلك المواد الخامّ في هذه القوالب ، ويبلورها في تلك الإطارات ، فتحصل المعرفة العقلية .
وهكذا تكون الأشياء المحسوسة مركّبة من مادّة أُدركت بالحسّ ، وصورة زمانية ومكانية أنشأتها الحسّاسية الصورية ، أي : الحسّاسية التي تخلق الصورة الموحّدة للإحساسات المختلفة . وتأتلف الأشياء المعقولة ـ أيضاً ـ من مادّة ، وهي : الظواهر التي تصوغها الحسّاسية الصورية في إطار الزمان والمكان ، وصورة ، وهي : القوالب التي ينشأها الفهم الصوري ويوحّد بها تلك الظواهر . (المؤلّف قُدِّسَ سِرُّه)