تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٢٦٤ - أدلّة البراءة الشرعيّة
فإن قيل: أ و لستم قلتم بإمكان أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول؟.
قلنا: نعم. و لكنّ ظاهر الحديث أنّ المرفوع و المعلوم شيء واحد، بمعنى أنّ الرفع و العلم يتبادلان على مركز واحد، فإذا افترضنا أنّ العلم بالجعل مأخوذ في موضوع المجعول فهذا معناه أنّ العلم لوحظ متعلّقاً بالجعل، و أنّ الرفع إنّما هو رفع للمجعول بتقييده بالعلم بالجعل. و هذا خلاف ظاهر الحديث، فلا بدّ إذن من افتراض أنّ الرفع يتعلّق بالمجعول، و كذلك العلم، فكأنّه قال: الحكم المجعول مرفوع حتّى يُعلم به. و على هذا الأساس يتعيّن حمل الرفع على أنّه ظاهريّ لا واقعيّ، و إلّا لزم أخذ العلم بالمجعول قيداً لنفس المجعول، و هو محال [١].
الثانية: أنّ الشكّ في التكليف تارةً يكون على نحو الشبهة الموضوعيّة، كالشكّ في حرمة المائع المردّد بين الخلّ و الخمر. و اخرى يكون على نحو الشبهة الحكميّة، كالشكّ في حرمة لحم الأرنب مثلًا،
[١] حاصل البيان: إنّ حمل الرفع في الحديث المذكور على الرفع الواقعي يستلزم إمّا محذوراً إثباتيّاً أو محذوراً ثبوتياً، و ذلك لأنّ معنى الرفع الواقعي سقوط الحكم الواقعي عن الفعليّة، فيكون الرفع متعلّقاً بالحكم المجعول، و حينئذٍ تارةً نلحظ العلم متعلّقاً بالجعل فيكون المعنى أنّ من لم يعلم بالجعل رفع عنه المجعول، و اخرى نلحظ العلم متعلّقاً بالمجعول فيكون المعنى أنّ من لم يعلم بالمجعول رفع عنه نفس المجعول. و الأوّل خلاف ظاهر الحديث إثباتاً، لأنّ ظاهر الحديث وحدة متعلّق الرفع و العلم، و الثاني مستحيل ثبوتاً، لأنّه يستلزم أخذ العلم بالمجعول قيداً لنفس المجعول. و أمّا إذا حملنا الرفع على الرفع الظاهري فلا يستلزم شيئاً من المحذورين، لأنّ الرفع الظاهري لا يعني سقوط الحكم عن الفعليّة أصلًا، فيكون معنى الحديث أنّ الحكم الذي لا يعلم مرفوع ظاهراً، أي مؤمّن عنه و لا يجب الاحتياط تجاهه، و هذا لا يستلزم اختلاف متعلّق الرفع و العلم و لا أخذ العلم بالمجعول قيداً لنفس المجعول. فيتعيّن حمل الرفع علي الرفع الظاهرىّ لا الواقعيّ.