تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٣٨ - حجّية القطع
في كلّ ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظنّ أو بالاحتمال ما لم يرخّص هو نفسه في عدم التحفّظ، و هذا يعني أنّ المنجّزيّة ليست ثابتةً للقطع بما هو قطع، بل بما هو انكشاف، و أنّ كلّ انكشاف منجِّز مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به.
نعم، كلّما كان الانكشاف بدرجة أكبر كانت الإدانة و قبح المخالفة أشدّ، فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبةً أشدّ من التنجّز و الإدانة، لأنّه المرتبة العليا من الانكشاف.
و أمّا القضيّة الثانية و هي أنّ المنجّزيّة لا تنفكّ عن القطع بالتكليف، و ليس بإمكان المولى نفسه أن يتدخّل بالترخيص في مخالفة القطع و تجريده من المنجّزيّة فهي صحيحة، و دليلها: أنّ هذا الترخيص إمّا حكم واقعيّ، أو حكم ظاهريّ، و الأوّل مستحيل، لأنّ التكليف الواقعيّ مقطوع به، فإذا ثبتت أيضاً إباحة واقعيّة لزم اجتماع الضدّين، لِمَا تقدّم من التنافي و التضادّ بين الأحكام التكليفية الواقعية. و الثاني مستحيل أيضاً، لأنّ الحكم الظاهريّ كما تقدم ما اخذ في موضوعه الشكّ، و لا شكّ مع القطع.
و بهذا يظهر أنّ القطع لا يتميّز عن الظنّ و الاحتمال في أصل المنجّزيّة، و إنّما يتميّز عنهما في عدم إمكان تجريده عن تلك المنجّزيّة، لأنّ الترخيص في مورده مستحيل كما عرفت، و ليس كذلك في حالات الظنّ و الاحتمال، فإنّ الترخيص الظاهريّ فيها ممكن، لأنّه لا يتطلّب أكثر من فرض الشكّ، و الشكّ موجود. و من هنا صحّ أن يقال: إنّ منجّزيّة القطع غير معلّقة، بل ثابتة على الإطلاق، و إنّ منجّزيّة غيره من الظنّ و الاحتمال معلّقة، لأنّها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهريّ في ترك التحفّظ.