تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٦٤ - وفاءُ الدليل بدور القطع الموضوعي
و لكن هل تفي الأمارة بالقيام مقام القطع الموضوعيّ؟ فيه بحث و خلاف، فلو قال المولى: (كلّ ما قطعتَ بأنّه خمر فأرقْهُ)، و قامت الأمارة الحجّة شرعاً على أنّ هذا خمر و لم يحصل القطع بذلك. فهل يترتّب وجوب الإراقة على هذه الأمارة كما يترتّب على القطع، أوْ لا؟ و هنا تفصيل، و هو: أنّا تارةً نفهم من دليل وجوب إراقة مقطوع الخمريّة أنّ مقصود هذا الدليل من المقطوع ما قامت حجّة منجّزة على خمريّته، و ليس القطع إلّا كمثال [١] و اخرى نفهم منه إناطة الحكم بوجوب الإراقة بالقطع بوصفه كاشفاً تامّاً لا يشوبه شكّ [٢].
ففي الحالة الاولى تقوم الأمارة الحجّة مقام القطع الموضوعيّ، و يترتّب عليها وجوب الإراقة، لأنّها تحقّق موضوع هذا الوجوب وجداناً و هو الحجّة [٣].
و في الحالة الثانية لا يكفي مجرّد كون الأمارة حجّةً و قيام دليل على حجّيّتها و وجوب العمل بها لكي تقوم مقام القطع الموضوعي، لأنّ وجوب الإراقة منوط بالقطع بما هو كاشف تامّ، و الأمارة و إن أصبحت حجّةً و منجّزةً لمؤدّاها بجعل الشارع و لكنّها ليست كاشفاً تامّاً على أيّ حال، فلا يترتّب عليها وجوب الإراقة إلّا إذا ثبت في دليل الحجّية أو في دليل آخر أنّ المولى أعمل عنايةً و نزّل الأمارة منزلة الكاشف التامّ في أحكامه الشرعيّة [٤]، كما نزّل الطواف منزلة الصلاة في قوله: الطواف
----------
[١] و قد يسمّى القطع حينئذ بالقطع الموضوعيّ المأخوذ على وجه الطريقيّة.
[٢] و قد يسمّى القطع حينئذ بالقطع الموضوعيّ المأخوذ على وجه الصفتيّة.
[٣] و يعبّر عن ذلك اصطلاحاً بأنّ دليل حجّيّة الأمارة وارد على دليل وجوب إراقة مقطوع الخمريّة.
[٤] و يعبّر عن ذلك اصطلاحاً بأنّ دليل حجّيّة الأمارة أو أيّ دليل آخر اعملت فيه العناية المذكورة حاكم على دليل وجوب إراقة مقطوع الخمريّة. و سيأتي توضيح الفرق بين (الورود) و (الحكومة) في بحث تعارض الأدلّة من هذه الحلقة.