بيان الفقه في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد) - الحسيني الشيرازي، السيد صادق - الصفحة ٦٦ - الإجماع و الجبر الدلالي
و وجه ذلك: إنّه لو رأينا رواية صحيحة السند و لكن كان في دلالتها على الحكم قصور من إجمال أو نحوه، و قام إجماع على ذلك الحكم، فلو تركنا الرواية لقصور الدلالة، و طرحنا الإجماع لاحتمال استناده إلى تلك الرواية، مع ما في المجمعين من فطاحل و أساطين و أعيان اجتمع فيهم دقّة النظر و التقوى الشديدة، من أمثال الكليني، و الصدوق، و المفيد، و الطوسي، و المحقّق، و الشهيدين، و كاشف الغطاء، و بحر العلوم، و المقدّس الأردبيلي، و الشيخ الأنصاري، و المجدّد الشيرازي، و الشيخ محمّد تقي الشيرازي، و غيرهم من كبار فقهائنا (قدّس سرّهم)، فإن ظهر واقعا صحّة ذلك الحكم لم يكن لنا عرفا معذّر، كما إنّا إن استندنا إلى هذا الإجماع، ثم ظهر واقعا عدم صحّة الحكم كان ذلك معذّرا عرفا.
أو بالعكس: كما لو كان دليل لفظي مطلقا أو عامّا و لم يكن له مقيّد أو مخصّص لفظي سوى فهم الفقهاء جميعا عدم شمولهما لبعض الجزئيات، فهل الآخذ بالعموم أو الاطلاق التارك لفهم الفقهاء قديمهم و حديثهم يكون معذورا عند الإصابة و منجّزا عليه عند الخطأ عرفا؟ و العرف ببابك، فاختبر نفسك بما إذا صدر أمر من السلطان بلزوم حضور الحكّام بحضرته يوم الأضحى- مثلا- ثم رأى حاكم من حكّام أحد البلدان نصّ الأمر فلم يفهم منه الوجوب و لكنّه رأى جميع الحكّام متّجهين إلى حضرة السلطان، و حضر الجميع عند السلطان إلّا هذا الحاكم، فهل العقل و العرف يريانه معذورا إذا كان الأمر كما فهم الحكّام؟ و هل يقبل عذره بأنّه لم يفهم من الأمر ذلك، مع إنّه رأى جميع الحكّام فهموا منه ذلك؟
فإن وجدت من نفسك معذورية هذا الحاكم و صحّة عمله كان طرح الإجماع المحتمل الاستناد أيضا كذلك، و إن كان العكس فالعكس.