بدائع الأفكار في الأصول - العراقي، آقا ضياء الدين - الصفحة ٣٣ - الجهة الثانية في حقيقة الوضع
بحصول الربط و صيرورة اللفظ قالبا للمعنى و حيث إنه لا بد في متعلق الارادة أن يكون امرا ممكنا فلا محيص من كون جعل الربط بين اللفظ و المعنى أمرا ممكنا للواضع و فعلا اختياريا له و عليه فلا وجه للالتزام بان ما يحصل من الواضع في مقام الوضع هو التعهد و البناء بل نقول: إن الواضع يجعل الربط بينهما ابتداء و ان شئت فقل: إن الواضع يتعهد بصيرورة اللفظ قالبا للمعنى (نعم) محذور الدور الذي توهم وروده على القول المزبور غير وارد عليه (أما تقريب الدور) فهو أن بناء المتكلم على النطق باللفظ الكذائي عند ارادته تفهيم المعنى الخاص يتوقف على كون اللفظ لائقا و مستعدا في نفسه للكشف عن ذلك المعنى و الدلالة عليه بالارتباط الحاصل بينه و بين المعنى و لا يكون كذلك إلا بالبناء المزبور و ذلك هو الدور (و أما توضيح) الاندفاع فهو أن استعداد اللفظ و لياقته للدلالة على المعنى لا يلزم أن يكون متحققا حين البناء كي يلزم الدور فان تحققه فى ظرف الاستعمال كاف في حصول البناء و التعهد و من المعلوم انه لا مانع من حصول الاستعداد المزبور فى ظرف الاستعمال بذلك البناء الكلي (الوجه الثاني) ان يكون التعهد راجعا الى النطق باللفظ الخاص الذي هو مرآة للمعنى الخاص عند ارادة ذلك (و لا يخفى ما فيه) اذ ذلك يتوقف على كون اللفظ مرآة لذلك المعنى فى رتبة سابقة و من الواضح توقف ذلك على الوضع و بعده لا مجال للتعهد المزبور لأنه يكون لغوا.
(ثم إن الوضع) و هو الربط المجعول بين طبيعي اللفظ و طبيعي المعنى قد يحصل بانشائه ابتداء و قد يتحقق باستعمال اللفظ المقصود وضعه فى المعنى كما لو قال مريد الوضع بهذا النحو جئني بالماء مشيرا الى المائع المعروف فبهذا الاستعمال مع القرينة يحصل الربط بين اللفظ و المعنى و يفهم المعنى الذي استعمل فيه اللفظ (و قد يشكل) تحقق الوضع بهذا النحو لامرين (الاول) ان الوضع بهذا النحو يستلزم اجتماع اللحاظ الآلي و الاستقلالي فى موضوع واحد و هو غير معقول بيان الملازمة هو أن استعمال اللفظ في المعنى فى مقام التفاهم به يستلزم لحاظ اللفظ آليا و توجه النفس اليه في مقام وضعه يستلزم لحاظه استقلاليا (و الجواب) أن الملحوظ باللحاظ الاستقلالي في مقام الوضع هو طبيعي اللفظ كما هو واضح