بدائع الأفكار في الأصول - العراقي، آقا ضياء الدين - الصفحة ٣٥٥ - الأمر الخامس فى الواجب المشروط و المعلق و المنجز
(فان قلت) لا إشكال في ان الارادة التكوينية هو الشوق المؤكد الذي يشرف بصاحبه على فعل المراد و يبعثه اليه فاذا احب العاقل فعلا فى وقت ما فلا يعقل ان يحركه شوقه اليه مهما اشتد قبل حضور ذلك الوقت الذي لا يحصل غرضه من ذلك الفعل الا فيه و هذا أمر مفروغ عنه فى الارادة التكوينية و اما التكليف فهو عبارة عن الارادة التشريعية و هي مثل الارادة التكوينية إلا أن متعلق الاولى فعل الغير و متعلق الثانية فعل المريد نفسه و معه كيف يعقل أن يكون التكليف بشيء مقيد بوقت ما فعليا قبل حضور ذلك الوقت (قلت) هذه شبهة فى قبال الوجدان أ ليس يجد الانسان نفسه مكلفا شرعا و عرفا باعمال ذات مقدمات شتى في الكثرة و هو يجد التكليف بتلك الاعمال متوجها اليه و منجزا عليه قبل الاتيان بشيء من مقدماتها بل إنما يأخذ و يشرع بفعل المقدمات بدافع ذلك التكليف الذي يجده متوجها اليه و هكذا الأمر بل هو اجلى في وجوب الواجب المركب من اجزاء متدرجة فى الوجود فانه لا إشكال في تحقق التكليف بذلك المركب قبل الشروع بفعل جزء من اجزائه و ان المكلف يأتي بكل جزء من اجزاء ذلك الواجب بدعوة ذلك التكليف المتوجه اليه و بناء على ما ذكر فى الاشكال يلزم أن لا يتحقق التكلف بالعمل ذي المقدمات قبل الاتيان بها و كذلك لا يتحقق التكليف بالجزء الثاني من الواجب المركب قبل الاتيان بالجزء الاول و هو كما ترى (و السر فى ذلك) هو ان العاقل اذا تعلق له غرض بفعل غيره و لم يجد مانعا من طلبه طلبه منه على النحو الذي يوجد عليه ذلك الفعل سواء كان مركبا أم بسيطا و سواء كان مما يتوقف وجوده على فعل مقدمات ام لا هذا فى الارادة التشريعية (و هكذا الامر) بعينه فى الارادة التكوينية فانا نرى بالوجدان ان الغافل اذا اراد أمرا مهما فيما يأتي من الزمان كما لو شاء ان ينشئ سفرا في غد مثلا فانه يأخذ فى يومه بل من ساعته في الاستعداد له و تحصيل مقدماته التي يتوقف عليها في ظرفه و من الواضح ان ارادة هذه المقدمات لم تنشأ في نفس مريد السفر غدا الا من ارادته للسفر فى ظرفه فاذا كانت الارادة النفسية علة للارادة المتعلقة بالمقدمات يستحيل وجود ارادة المقدمات قبل وجود الارادة المتعلقة بذي المقدمات.
(فان قلت) حقيقة التكليف هو جعل ما يمكن أن يكون داعيا للمكلف الى