الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٠٨ - فصل
العلاج، و كلّ طبيب لا تكون هذه أخيّته [١] التي يرجع إليها، فليس بطبيب، و اللّه أعلم.
فصل
و لما كان للمرض أربعة أحوال: ابتداء، و صعود، و انتهاء، و انحطاط، تعيّن على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض بما يناسبها و يليق بها، و يستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها. فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرّك الفضلات و يستفرغها لنضجها، بادر إليه، فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك، أو لضعف القوة و عدم احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريط رقع، فينبغي أن يحذر كلّ الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض، لأنه إن فعله، تحيّرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء، و تخلت عن تدبير المرض و مقاومته بالكلية، و مثاله: أن يجيء إلى فارس مشغول بموافقة عدوه، فيشغله عنه بأمر آخر. و لكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه.
فإذا انتهى المرض و وقف و سكن، أخذ في استفراغه، و استئصال أسبابه، فإذا أخذ في الانحطاط، كان أولى بذلك. و مثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته، و فرغ سلاحه، كان أخذه سهلا، فإذا ولىّ و أخذ في الهرب، كان أسهل أخذا، وحدته و شوكته إنما هي في ابتدائه، و حال استفراغه، وسعة قوته، فهكذا الداء و الدواء سواء.
فصل
و من حذق الطبيب أنه حيث امكن التدبير بالأسهل، فلا يعدل إلى الأصعب، و يتدرّج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ، فيجب أن يبتدئ بالأقوى، و لا يقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفها الطبيعة، و يقل
[١] الأخية بزنة أبية: الحرمة و الذمة