الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٥٣ - فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض
و لهذا كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذا اجتهد في الدعاء قال: يا حيّ يا قيوم
و في قوله: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» من تحقيق الرجاء لمن الخير كلّه بيديه و الاعتماد عليه وحده و تفويض الأمر إليه، و التضرع إليه، أن يتولى إصلاح شأنه، و لا يكله الى نفسه، و التوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء، و كذلك قوله: اللّه ربي لا أشرك به شيئا.
و أما حديث ابن مسعود: «اللهم إني عبدك ابن عبدك»، ففيه من المعارف الإلهية، و أسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب، فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته و عبودية آبائه و أمهاته، و أن ناصيته بيده يصرّفها كيف يشاء، فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعا و لا ضرا، و لا موتا و لا حياة، و لا نشورا، لأن من ناصيته بيد غيره، فليس إليه شيء من أمره، بل هو عان في قبضته، ذليل تحت سلطان قهره.
و قوله: «ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك «متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد.
أحدهما: إثبات القدر، و أن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، و لا حيلة له في دفعها.
و الثاني: أنه- سبحانه- عدل في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجب العدل و الإحسان، فإن الظلم سببه حاجة الظالم، أو جهله أو سفهه، فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم، و من هو غني عن كل شيء، و كل شيء فقير إليه، و من هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته و حمده، كما لم تخرج عن قدرته و مشيئته، فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته و قدرته، و لهذا قال نبيّ اللّه هود صلّى اللّه على نبينا و عليه و سلّم، و قد خوّفه قومه بآلهتهم: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [١]، أي: مع كونه سبحانه آخذا بنواصي خلقه
[١] هود- ٥٤- ٥٧