الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٨٣ - فصل في هديه
سكانها، و صب الماء البارد عليهم في الوقت المذكور،- و هو أبرد أوقات اليوم- يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، فيقوي القوة الدافعة، و يجتمع من أقطار البدن الى باطنه الذي هو محل ذاك الداء، و يستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فيدفعه باذن اللّه عز و جل، و لو أن بقراط، أو جالينوس، أو غيرهما، وصف هذا الدواء لهذا الداء، لخضعت له الأطباء، و عجبوا من كمال معرفته.
فصل في هديه (صلى اللّه عليه و سلم) في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب، و ارشاده الى دفع مضرات السموم بأضدادها
في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، و في الآخر شفاء» [١].
و في «سنن ابن ماجه» عن أبي سعيد الخدري، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:
«أحد جناحي الذباب سم، و الآخر شفاء، فاذا وقع في الطعام، فامقلوه، فإنه يقدم السم، و يؤخر الشفاء» [٢].
هذا الحديث فيه أمران: أمر فقهي، و أمر طبي، فأما الفقهي، فهو دليل ظاهر الدلالة جدا على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع، فإنه لا ينجسه، و هذا قول جمهور العلماء، و لا يعرف في السلف مخالف في ذلك. و وجه الاستدلال به أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أمر بمقله، و هو غمسه في الطعام، و معلوم أنه يموت من ذلك، و لا سيما إذا كان الطعام حارا. فلو كان ينجسه لكان أمرا بإفساد الطعام، و هو (صلى اللّه عليه و سلم) إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة و الزنبور، و العنكبوت و أشباه ذلك، إذ الحكم يعم بعموم علته، و ينتفي لانتفاء سببه، فلما
[١] أخرجه البخاري و أبو داود في الطب
[٢] أخرجه ابن ماجه