الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٧٢ - فصل
و أيضا فإنه أسلم عاقبة و آمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، و كثرة كميته، أو يضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة و الكبد، و إلى أمراض رديئة، خصوصا في سكان البلاد الحارة، كالحجاز و اليمن و نحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدا، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها، و في تلك الأزمنة الحارة.
و قوله: «و امرأ»: هو أفعل من مرئ الطعام و الشراب في بدنه: إذا دخله، و خالطه بسهولة و لذة و نفع. و منه: فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [١] هنيئا في عاقبته، مريئا في مذاقه. و قيل: معناه أنه أسرع انحدارا عن المريء لسهولته و خفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهل على المريء انحداره.
و من آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق بأن يسدّ مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغصّ به، فإذا تنفّس رويدا، ثم شرب، أمن من ذلك.
و من فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحارّ الذي كان على القلب و الكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعة عنها، فإذا شرب مرة واحدة، اتفق نزول الماء البارد، و صعود البخار، فيتدافعان و يتعالجان، و من ذلك يحدث الشرق و الغصّة، و لا يتهنأ الشارب بالماء، و لا يمرئه، و لا يتم ريّة. و قد روى عبد اللّه بن المبارك، و البيهقي، و غيرهما عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا شرب أحدكم فليمصّ الماء مصّا، و لا يعبّ عبّا، فإنّه من الكباد» [٢].
و الكباد- بضم الكاف و تخفيف الباء- هو وجع الكبد، و قد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها و يضعف حرارتها، و سبب ذلك المضادة التي بين حرارتها، و بين ما ورد عليها من كيفية المبرود و كميته. و لو ورد بالتدريج شيئا فشيئا، لم يضاد حرارتها، و لم يضعفها، و هذا مثاله صبّ الماء البارد على القدر،
[١] النساء- ٤.
[٢] أخرجه الطبراني في الصغير و ابن السي و أبو نعيم في الطب، و البيهقي في شعب الإيمان.