الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٥٤ - فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض
و تصريفهم كما يشاء، فهو على صراط مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل و الحكمة، و الإحسان و الرحمة. فقوله: ماض فيّ حكمك، مطابق لقوله:
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، و قوله: عدل في قضاؤك مطابق لقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ثم توسل إلى ربه بأسمائه التي سمى بها نفسه ما علم العباد منها و ما لم يعلموا. و منها: ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكا مقرّبا، و لا نبيا مرسلا، و هذه الوسيلة أعظم الوسائل، و أحبها إلى اللّه، و أقربها تحصيلا للمطلوب.
ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، و كذلك القرآن ربيع القلوب، و أن يجعله شفاء همّه و غمّه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، و يعيد البدن الى صحته و اعتداله، و أن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يحلو الطبوع و الأصدية و غيرها فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله ان يزيل عنه داءه، و يعقبه شفاء تاما، و صحة و عافية، و اللّه الموفق.
و أما دعوة ذي النون: فإن فيها من كمال التوحيد و التنزيه للرب تعالى و اعتراف العبد بظلمه و ذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب و الهمّ و الغمّ، و أبلغ الوسائل إلى اللّه- سبحانه- في قضاء الحوائج، فإن التوحيد و التنزيه يتضمنان إثبات كل كمال للّه، و سلب كل نقص و عيب و تمثيل عنه. و الاعتراف بالظلم يتضمن إيمان العبد بالشرع و الثواب و العقاب، و يوجب انكساره و رجوعه إلى اللّه، و استقالته عثرته، و الاعتراف بعبوديته، و افتقاره إلى ربه، فها هنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد، و التنزيه، و العبودية و الاعتراف.
و أما حديث أبي أمامة: اللّهم إنّي أعوذ بك من الهمّ و الحزن، فقد تضمن الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهمّ و الحزن أخوان، و العجز و الكسل أخوان، و الجبن و البخل أخوان، و ضلع الدّين و غلبة الرجال أخوان، فإن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب، فإما أن يكون سببه أمرا ماضيا، فيوجب له الحزن، و إن كان أمرا متوقعا في المستقبل، أوجب الهم، و تخلف العبد عن مصالحه و تفويتها عليه، إما ان يكون من عدم القدرة و هو العجز، أو من عدم الإرادة و هو الكسل، و حبس خيره و نفعه عن نفسه و عن بني جنسه، إما