الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٥٠ - فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض
و القلب: خلق لمعرفة فاطره و محبته و توحيده به، و الابتهاج بحبه، و الرضى عنه، و التوكل عليه، و الحب فيه، و البغض فيه، و الموالاة فيه، و المعاداة فيه، و دوام ذكره، و أن يكون أحبّ إليه من كل ما سواه، و أرجى عنده من كل ما سواه، و أجلّ في قلبه من كل ما سواه، و لا نعيم له و لا سرور و لا لذّة، بل و لا حياة إلا بذلك، و هذا له بمنزلة الغذاء و الصحة و الحياة، فإذا فقد غذاءه و صحته، و حياته، فالهموم و الغموم و الأحزان مسارعة من كل صوب إليه، و رهن مقيم عليه.
و من أعظم أدوائه: الشرك و الذنوب و الغافلة و الاستهانة بمحابّه و مراضيه، و ترك التفويض إليه، و قلة الاعتماد عليه، و الركون إلى ما سواه، و السخط بمقدوره، و الشكّ في وعده و وعيده.
و إذا تأملت أمراض القلب، وجدت هذه الأمور و أمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزال بالضد، و الصّحة تحفظ بالمثل، فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية، و أمراضه بأضدادها.
فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير و السرور و اللذة و الفرح و الابتهاج، و التوبة استفراغ للأخلاط و المواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه، و حمية له من التخليط، فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة و الخير بالتوحيد، و يغلق باب الشرور بالتوبة و الاستغفار.
قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: من أراد عافية الجسم، فليقلّل من الطعام و الشراب، و من أراد عافية القلب، فليترك الآثام. و قال ثابت بن قرة:
راحة الجسم في قلة الطعام، و راحة الروح في قلة الآثام، و راحة اللسان في قلة الكلام.
و الذنوب للقلب، بمنزلة السموم، إن لم تهلكه أضعفته، و لا بدّ، و إذا ضعفت قوته، لم يقدر على مقاومة الأمراض، قال طبيب القلوب عبد اللّه بن المبارك: