الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٣٢ - فصل في هديه في الطّاعون، و علاجه، و الاحتراز منه
و الثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، و قد ورد في الحديث الصحيح: «انه بقية رجز أرسل على بني إسرائيل» [١]، و ورد فيه «أنه وخز الجن» [٢] و جاء أنه دعوة نبي.
و هذه العلل و الأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها، كما ليس عندهم ما يدل عليها، و الرسل تخبر بالأمور الغائبة، و هذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح، فإن تأثير الأرواح في الطبيعة و أمراضها و هلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح و تأثيراتها، و انفعال الأجسام و طبائعها عنها، و اللّه سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء، و فساد الهواء، كما يجعل لها تصرفا عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئة رديئة، و لا سيما عند هيجان الدم، و المرّة السوداء، و عند هيجان المني، فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذكر، و الدعاء، و الابتهال و التضرع، و الصدقة، و قراءة القرآن، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة، و يبطل شرها و يدفع تأثيرها، و قد جربنا نحن و غيرنا هذا مرارا لا يحصيها إلا اللّه، و رأينا لاستنزال هذه الأرواح الطيبة و استجلاب قربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة، و دفع المواد الرديئة، و هذا يكون قبل استحكامها و تمكنها، و لا يكاد ينخرم، فمن وفقه اللّه، بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه، و هي له من أنفع الدواء، و إذا أراد اللّه عز و جل إنفاذ قضائه و قدره، أغفل قلب العبد عن معرفتها و تصورها و إرادتها، فلا يشعر بها.
و لا يريدها، ليقضي اللّه فيه أمرا كان مفعولا.
و سنزيد هذا المعنى إن شاء اللّه تعالى إيضاحا و بيانا عند الكلام على التداوي بالرّقى،؛ و العوذ النبوية، و الأذكار، و الدعوات، و فعل الخيرات، و نبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي، كنسبة طب الطرقية و العجائز الى طبهم، كما
[١] أخرجه البخاري و مسلم و الترمذي من حديث أسامة بن زيد
[٢] «وخز الجن» أي طعن أعدائكم: أخرجه الحاكم عن أبي موسى الاشعري بلفظ- «الطاعون وخز أعدائكم من الجن و هو لكم شهادة». و هو حديث صحيح.