الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٧٥ - حرف الكاف
تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة، أو امتزاج و اختلاط، أو أسباب أخر تقتضي فساده، فلو ترك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به، لم يفسد.
و من له معرفة بأحوال العالم و مبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه و نباته و حيوانه، و أحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه، و لم تزل أعمال بني آدم و مخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام و الخاص ما يجلب عليهم من الآلام، و الأمراض، و الأسقام، و الطواعين، و القحوط، و الجدوب، و سلب بركات الأرض، و ثمارها، و نباتها، و سلب منافعها، أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا، فإن لم يتّسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [١]، و نزّل هذه الآية على أحوال العالم، و طابق بين الواقع و بينها، و أنت ترى كيف تحدث الآفات و العلل كل وقت في الثمار و الزرع و الحيوان، و كيف يحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة، بعضها آخذ برقاب بعض، و كلما أحدث الناس ظلما و فجورا، أحدث لهم ربهم تبارك و تعالى من الآفات و العلل في أغذيتهم و فواكههم، و أهويتهم و مياههم، و أبدانهم و خلقهم، و صورهم و أشكالهم و أخلاقهم من النقص و الآفات، ما هو موجب أعمالهم و ظلمهم و فجورهم.
و لقد كانت الحبوب من الحنطة و غيرها أكبر مما هي اليوم، كما كانت البركة فيها أعظم. و قد روى الإمام أحمد بإسناده: أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها: هذا كان ينبت أيام العدل. و هذه القصة، ذكرها في «مسنده» على أثر حديث رواه.
و أكثر هذه الأمراض و الآفات العامة بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة، ثم بقيت منها بقية مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم، حكما قسطا، و قضاء عدلا، و قد أشار النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى هذا بقوله في الطاعون: «إنه بقية رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل».
[١] الروم- ٤١.