الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٤ - فصل في هديه في علاج الحمّى
قال: «إنّ الحمّى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء، أو قال: بماء زمزم» [١]. و راوي هذا قد شك فيه، و لو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، و لغيرهم بما عندهم من الماء.
ثم اختلف من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو استعماله؟ على قولين. و الصحيح أنه استعمال، و أظن أن الذي حمل من قال:
المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، و لم يفهم وجهه مع أن لقوله وجها حسنا، و هو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمان بالماء البارد، أخمد اللّه لهيب الحمّى عنه جزاء وفاقا، و لكن هذا يؤخذ من فقه الحديث و إشارته، و أما المراد به فاستعماله.
و قد ذكر أبو نعيم و غيره من حديث أنس يرفعه: «إذا حمّ أحدكم، فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السّحر [٢].
و في «سنن ابن ماجه» عن أبي هريرة يرفعه: «الحمّى كير من كير جهنّم، فنحّوها عنكم بالماء البارد» [٣].
و في «المسند» و غيره، من حديث الحسن، عن سمرة يرفعه: «الحمّى قطعة من النّار، فأبردوها عنكم بالماء البارد»، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا حمّ دعا بقربة من ماء، فأفرغها على رأسه فاغتسل [٤].
[١] أخرجه البخاري في بدء الخلق، و النسائي و ابن ماجه و مالك و أحمد: و معنى الحديث: أن الحمى من شدة حر الطبيعة و هو يشبه نار جهنم في كونها معذبة و مذيبة للجسد، و المراد أنها أنموذج و دقيقة اشتقت من جهنم يستدل بها العباد و يعتبرون بها، كما أظهر الفرح و اللذة ليدل على نعيم الجنة. «فأبردوها بالماء» أي أسكنوا حرارتها بالماء، بأن تغسلوا أطراف المحموم منه، و تسقوه إياه ليقع به التبرد.
[٢] أخرجه النسائي و الحاكم في المستدرك، و الطبراني في الأوسط، و رجاله ثقات
[٣] خرجه ابن ماجه، و رجاله ثقات
[٤] رواه الطبراني في الكبير و الحاكم في الطب، و كذا البرار عن سمرة بن جندب. قال الحاكم: صحيح، و أقره عليه الذهبي. لكن قال ابن حجر في فتح الباري بعد ما عزاه للبزار و الحاكم و أنه صححه في سنده راو ضعيف، و قال الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني: فيه اسماعيل بن مسلم، و هو متروك. و «إذا حمّ أحدكم» أي أخذته الحمى التي هي حرارة بين الجلد و اللحم.