الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٦ - فصل في هديه في علاج الحمّى
كل الأعضاء و المفاصل، و عدتها ثلاثمائة و ستون مفصلا، فتكفر عنه- بعدد كل مفصل- ذنوب يوم. و الثاني: أنها تؤثر في البدن تأثيرا لا يزول بالكلية إلى سنة، كما قيل في قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما» [١]. إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد، و عروقه، و أعضائه أربعين يوما و اللّه أعلم.
قال أبو هريرة: ما من مرض يصيبني أحبّ إليّ من الحمّى، لأنها تدخل في كل عضو مني، و إن اللّه سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر.
و قد روى الترمذي في «جامعه» من حديث رافع بن خديج يرفعه: «إذا أصابت أحدكم الحمّى- و إنّ الحمّى قطعة من النّار فليطفئها بالماء البارد، و يستقبل نهرا جاريا، فليستقبل جرية الماء بعد الفجر و قبل طلوع الشّمس، و ليقل: بسم اللّه اللّهمّ أشف عبدك، و صدّق رسولك، و ينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن برىء، و إلا ففي خمس، فإن لم يبرأ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن اللّه» [٢].
قلت: و هو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدّمت، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، و وفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم، و السكون، و برد الهواء، فتجتمع فيه قوة القوى، و قوة الدواء، و هو الماء البارد على حرارة الحمّى العرضية، أو الغبّ الخالصة، أعني التي لا ورم معها، و لا شيء من الأعراض الرديئة و المواد الفاسدة، فيطفئها بإذن اللّه، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، و هي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة كثيرا، سيما في البلاد المذكورة لرقة أخلاط سكانها، و سرعة انفعالهم عن الدواء النافع.
[١] أخرجه الترمذي و النسائي و ابن ماجه من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص و إسناده صحيح و صححه الحاكم و وافقه الذهبي على ذلك.
[٢] أخرجه الترمذي من حديث ثوبان و ليس من حديث رافع بن بخديج كما ذكره المصنف و أخرجه الإمام أحمد.