الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٨٠ - حرف الكاف
و في هذا معنيان:
أحدهما: أن العرب كانت تسمي شجرة العنب الكرم، لكثرة منافعها و خيرها، فكره النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها و محبة ما يتخذ منها من المسكر، و هو أمّ الخبائث، فكره أن يسمى أصله بأحسن الأسماء و أجمعها للخير.
و الثاني: أنه من باب قوله: «ليس الشّديد بالصّرعة» [١]. «و ليس المسكين بالطّوّاف» [٢]. أي: أنكم تسمون شجرة العنب كرما لكثرة منافعه، و قلب المؤمن أو الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه، فإن المؤمن خير كله و نفع، فهو من باب التنبيه و التعريف لما في قلب المؤمن من الخير، و الجود، و الإيمان، و النور، و الهدى، و التقوى، و الصفات التي يستحق بها هذا الاسم أكثر من استحقاق الحبلة له.
و بعد: فقوة الحبلة باردة يابسة، و ورقها و علائقها و عرموشها مبرد في آخر الدرجة الأولى، و إذا دقّت و ضمّد بها من الصداع سكنته، و من الأورام الحارة و التهاب المعدة. و عصارة قضبانه إذا شربت سكنت القيء، و عقلت البطن، و كذلك إذا مضغت قلوبها الرطبة. و عصارة ورقها، تنفع من قروح الأمعاء، و نفث الدم و قيئه، و وجع المعدة، و دمع شجره الذي يحمل على القضبان، كالصمغ إذا شرب أخرج الحصاة، و إذا لطخ به، أبرأ القوب و الجرب المتقرح و غيره، و ينبغي غسل العضو قبل استعمالها بالماء و النطرون، و إذا تمسح بها مع الزيت حلق الشعر، و رماد قضبانه إذا تضمّد به مع الخل و دهن الورد و السّذاب، نفع من الورم العارض في الطحال، و قوة دهن زهرة الكرم قابضة شبيهة بقوة دهن الورد، و منافعها كثيرة قريبة من منافع النخلة.
كرفس: روي في حديث لا يصح عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من أكله ثم نام عليه، نام و نكهته طيّبة، و ينام آمنا من وجع الأضراس و الأسنان»، و هذا باطل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لكن البستانيّ منه يطيب النكهة جدا، و إذا علق أصله في الرقبة نفع من وجع الأسنان.
[١] أخرجه البخاري في الأدب، و مسلم في البر.
[٢] أخرجه مسلم في الزكاة.