الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٤٠ - فصل في هديه
ما أجد و أحاذر» [١] ففي هذا العلاج من ذكر اللّه، و التفويض إليه، و الاستعاذة بعزته و قدرته من شر الألم ما يذهب به، و تكراره ليكون أنجع و أبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة، و في السبع خاصية لا توجد في غيرها، و في «الصحيحين»:
أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، كان يعوّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى، و يقول: «اللّهمّ ربّ النّاس، أذهب الباس، و اشف أنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» [٢]. ففي هذه الرقية توسل إلى اللّه بكمال ربوبيته، و كمال رحمته بالشفاء، و أنه وحده الشافي، و أنه لا شفاء إلا شفاؤه، فتضمنت التوسل إليه بتوحيده و إحسانه و ربوبيته.
فصل في هديه (صلى اللّه عليه و سلم) في علاج حر المصيبة و حزنها
قال تعالى: وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [٣]. و في «المسند» عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، اللّهمّ أجرني في مصيبتي و أخلف لي خيرا منها، إلّا أجاره اللّه في مصيبته، و أخلف له خيرا منها» [٤]
و هذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب، و أنفعه له في عاجلته و آجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلّى عن مصيبته.
أحدهما: أن العبد و أهله و ماله ملك للّه عز و جلّ حقيقة، و قد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير، و أيضا فإنه محفوف بعدمين: عدم قبله، و عدم بعده، و ملك العبد له متعة معارة في زمن
[١] أخرجه مسلم في السلام. و أخرجه ابن ماجه و أحمد و الطبراني.
[٢] أخرجه البخاري في الطب، و مسلم في السلام
[٣] البقرة. آية ١٥٥.
[٤] أخرجه أحمد و مسلم في الجنائز