الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٣١ - فصل في هديه في الطّاعون، و علاجه، و الاحتراز منه
و في أثر عن عائشة أنها قالت للنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟
قال: «غدّة [١] كغدّة البعير يخرج في المراقّ و الإبط» [٢].
قال الأطباء: إذا وقع الخرّاج في اللحوم الرخوة، و المغابن، و خلف الأذن و الأرنبة، و كان من جنس فاسد، سمّي طاعونا، و سببه دم رديء مائل الى العفونة و الفساد، مستحيل الى جوهر سميّ، يفسد العضو و يغيّر ما يليه، و ربما رشح دما و صديدا، و يؤدي الى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء و الخفقان و الغشي، و هذا الاسم و إن كان يعمّ كلّ ورم يؤدي الى القلب كيفية رديئة حتى يصير لذلك قتالا، فإنه يختصّ به الحادث في اللحم الغددي، لأنه لرداءته لا يقبله من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، و أردؤه ما حدث في الإبط و خلف الأذن لقربهما من الأعضاء التي هي أرأس، و أسلمه الأحمر، ثم الأصفر. و الذي الى السواد، فلا يفلت منه أحد.
و لما كان الطاعون يكثر في الوباء، و في البلاد الوبيئة، عبر عنه بالوباء، كما قال الخليل: الوباء: الطاعون. و قيل: هو كل مرض يعم، و التحقيق أن بين الوباء و الطاعون عموما و خصوصا، فكل طاعون و باء، و ليس كل وباء طاعونا، و كذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون، فإنه واحد منها، و الطواعين خراجات و قروح و أورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها.
قلت: هذه القروح، و الأورام، و الجراحات، هي آثار الطاعون، و ليست نفسه، و لكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر، جعلوه نفس الطاعون.
و الطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور:
أحدها: هذا الأثر الظاهر، و هو الذي ذكره الأطباء.
و الثاني: الموت الحادث عنه، و هو المراد بالحديث الصحيح في قوله:
«الطاعون شهادة لكل مسلم».
[١] «غده كغدة البعير ...» الغدة: كل غده في الجسد أطاف بها شحم، و كل قطعة صلبة بين العصب- قاموس- «في المراقّ» مراقّ البطن بفتح الميم و تشديد القاف: ما رقّ منه و لا جمع مرقّ أولا واحد له- قاموس- أخرجه الإمام أحمد. و قد جاء بلفظ: «الطاعون غدة كفدة البعير، المقيم بها كالشهيد، و الفار منها كالفار من الزحف:
[٢] قال الهيثمي: رجاله ثقات.