الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٨١ - فصل في تدبيره لأمر النوم و اليقظة
و قيل: نوم النهار ثلاثة: خلق، و حرق، و حمق. فالخلق: نومة الهاجرة، و هي خلق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و الحرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا و الآخرة. و الحمق: نومة العصر. قال بعض السلف: من نام بعد العصر، فاختلس عقله، فلا يلومن إلا نفسه. و قال الشاعر:
ألا إنّ نومات الضّحى تورث الفتى* * * خبالا و نومات العصير جنون
و نوم الصّبحة يمنع الرزق، لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، و هو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، و هو مضر جدا بالبدن لإرخائه البدن، و إفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسرا و عيّا و ضعفا. و إن كان قبل التبرز و الحركة و الرياضة و إشغال المعدة بشيء، فذلك الداء العضال المولد لأنواع من الأدواء.
و النوم في الشمس يثير الداء الدفين، و نوم الإنسان بعضه في الشمس، و بعضه في الظل رديء، و قد روى أبو داود في «سننه» من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا كان أحدكم في الشّمس فقلص عنه الظّلّ فصار بعضه في الشّمس، و بعضه في الظّلّ فليقم» [١].
و في «سنن ابن ماجه» و غيره من حديث بريدة بن الحصيب، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نهى أن يقعد الرّجل بين الظّلّ و الشمس، و هذا تنبيه على منع النوم بينهما.
و في «الصحيحين» عن البراء بن عازب، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إذا أتيت مضجعك فتوضّأ وضوءك للصّلاة، ثمّ اضطجع على شقّك الأيمن، ثمّ قل:
اللّهمّ إنّي أسلمت نفسي إليك، و وجهت وجهي إليك و فوضت أمري إليك
[١] أخرجه أبو داود في الأدب.