الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٢٢ - فصل في هديه
قال الحسين بن مسعود الفراء: و قوله «سفعة» أي نظرة يعني: من الجن.
يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح.
و يذكر عن جابر يرفعه: «إن العين لتخل الرّجل القبظر، و الجمل القدر» [١].
و عن أبي سعيد، أن النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كان يتعوّذ من الجان، و من عين الإنسان [٢].
فأبطلت طائفة ممن قلّ نصيبهم من السمع و العقل أمر العين، و قالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، و هؤلاء من أجهل الناس بالسّمع و العقل، و من أغلظهم حجابا، و أكثفهم طباعا، و أبعدهم معرفة عن الأرواح و النفوس و صفاتها و أفعالها و تأثيراتها، و عقلاء الأمم على اختلاف مللهم و نحلهم لا تدفع أمر العين و لا تنكره، و إن اختلفوا في سببه و جهة تأثير العين.
فقالت طائفة: إن العائن إذا تكيّفت نفسه بالكيفية الرديئة، انبعث من عينه قوّة سميّة تتصل بالمعين، فيتضرر. قالوا و لا يستنكر هذا، كما لا يستنكر انبعاث قوة سمّية من الأفعى تتصل بالإنسان، فيهلك، و هذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك فكذلك العائن.
و قالت فرقة أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية، فتتصل بالمعين، و تتخلل مسام جسمه، فيحصل له الضرر.
و قالت فرقة أخرى: قد أجرى اللّه العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة و لا سبب و لا تأثير أصلا، و هذا مذهب منكري الأسباب و القوى و التأثيرات في العالم، و هؤلاء قد سدّوا على أنفسهم باب العلل و التأثيرات و الأسباب، و خالفوا العقلاء أجمعين.
لا ريب أن اللّه سبحانه خلق في الأجسام و الأرواح قوى و طبائع مختلفة، و جعل في كثير منها خواصّ و كيفيات مؤثرة، و لا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في
[١] أخرجه البزار بسند حسن بمعناه
[٢] أخرجه النسائي و ابن ماجه، و الترمذي و حسنه