الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٣٠ - فصل في هديه في الطّاعون، و علاجه، و الاحتراز منه
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [١]، هل الضمير في «فيه» راجع إلى الشراب، أو راجع الى القرآن؟ على قولين: الصحيح: رجوعه الى الشراب، و هو قول ابن مسعود، و ابن عباس، و الحسن، و قتادة، و الأكثرين، فإنه هو المذكور، و الكلام سيق لأجله، و لا ذكر للقرآن في الآية، و هذا الحديث الصحيح و هو قوله: «صدق اللّه» كالصريح فيه، و اللّه تعالى أعلم.
فصل في هديه في الطّاعون، و علاجه، و الاحتراز منه
في «الصحيحين» عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، انه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ما ذا سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الطاعون؟ فقال أسامة:
قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الطّاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، و على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارا منه». [٢]
و في «الصحيحين» أيضا: عن حفصة بنت سيزين، قالت: قال أنس بن مالك: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الطّاعون شهادة لكلّ مسلم» [٣].
الطاعون- من حيث اللغة-: نوع من الوباء، قاله صاحب «الصحاح»، و هو عند أهل الطب: ورم رديء قتال يخرج معه تلهّب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك، و يصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر، أو أكمد، و يؤول أمره إلى التقرح سريعا. و في الأكثر، يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، و خلف الأذن، و الأرنبة، و في اللحوم الرخوة.
[١] النحل- ٦٩.
[٢] أخرجه البخاري في الأنبياء، و أخرجه مسلم أيضا و «من بني إسرائيل» هم الذي أمرهم اللّه أن يدخلوا الباب سجدا، فخالفوا فأرسل عليهم الطاعون فمات منهم في ساعة سبعون ألفا. و هذا الذي جاء في الحديث هو ما يطلق عليه في أيامنا هذه بالحجر الصحي، و قد أمر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل زهاء ألف و أربعمائة سنة، مما يدل على أن هذا الإسلام من عند اللّه «لا يأتيه الباطل من يديه و لا من خلفه».
[٣] أخرجه الإمام أحمد و البخاري و مسلم: و معنى الحديث أي أن الطاعون سبب لكون الميت منه شهيدا في حكم الآخرة. و ظاهره يشمل الفاسق فيكون شهيدا.