الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٥٦ - فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض
الصّلاة شفاء» [١]. و قد روي هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة، و أنه هو الذي قال ذلك لمجاهد، و هو أشبه. و معنى هذه اللفظة بالفارسي: أ يوجعك بطنك؟.
فإن لم ينشرح صدر زنديق الأطباء بهذا العلاج، فيخاطب بصناعة الطب، و يقال له: الصلاة رياضة النفس و البدن جميعا، إذا كانت تشتمل على حركات و أوضاع مختلفة من الانتصاب، و الركوع، و السجود، و التّورك، و الانتقالات و غيرها من الأوضاع التي يتحرك معها أكثر المفاصل، و ينغمز معها أكثر الأعضاء الباطنة، كالمعدة، و الأمعاء، و سائر آلات النفس، و الغذاء، فما ينكر أن يكون في هذه الحركات تقوية و تحليل للمواد، و لا سيما بواسطة قوة النفس و انشراحها في الصلاة، فتقوى الطبيعة، فيندفع الألم، و لكن داء الزندقة و الاعراض عما جاءت به الرسل، و التعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نار تلظّى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذّب و تولّى.
و أما تأثير الجهاد في دفع الهم و الغم، فأمر معلوم بالوجدان، فإن النفس متى تركت صائل الباطل و صولته و استيلاءه، اشتد همها و غمّها، و كربها و خوفها، فإذا جاهدته للّه أبدل ذلك الهمّ و الحزن فرحا و نشاطا و قوة، كما قال تعالى: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [٢]. فلا شيء أذهب لجوى القلب و غمه و همه و حزنه من الجهاد و اللّه المستعان.
و أما تأثير لا حول و لا قوة إلا باللّه في دفع هذا الداء، فلما فيها من كمال التفويض و التبري من الحول و القوة إلا به، و تسليم الأمر كله له، و عدم منازعته في شيء منه، و عموم ذلك لكل تحول من حال الى حال في العالم العلوي و السفلي، و القوة على ذلك التحول، و أن ذلك كله باللّه وحده، فلا يقوم لهذه الكلمة شيء.
و في بعض الآثار: إنه ما ينزل ملك من السماء، و لا يصعد إليها إلا بلا حول و لا قوة إلا باللّه، و لها تأثير عجيب في طرد الشيطان، و اللّه المستعان.
[١] رواه ابن ماجه في الطب، و الإمام أحمد.
[٢] التوبة- ١٤- ١٥