الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٦٣ - حرف الفاء
التوكيل و التفويض إلى من له الأمر كلّه، و له الحمد كله، و بيده الخير كلّه، و إليه يرجع الأمر كلّه، و الافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، و علم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما، و دفع مفاسدهما، و أن العاقبة المطلقة التامة، و النعمة الكاملة منوطة بها، موقوفة على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية و الرّقى. و استفتح بها من الخير أبوابه، و دفع بها من الشر أسبابه.
و هذا أمر يحتاج استحداث فطرة أخرى، و عقل آخر، و إيمان آخر، و تاللّه لا تجد مقالة فاسدة، و لا بدعة باطلة إلا و فاتحه الكتاب متضمّنة لردها و إبطالها بأقرب الطرق، و أصحّها و أوضحها، و لا تجد بابا من أبواب المعارف الإلهية، و أعمال القلوب و أدويتها من عللها و أسقامها إلا و في فاتحة الكتاب مفتاحه، و موضع الدلالة عليه، و لا منزلا من منازل السائرين إلى ربّ العالمين إلا و بدايته و نهايته فيها.
و لعمر اللّه إن شأنها لأعظم من ذلك، و هي فوق ذلك. و ما تحقق عبد بها، و اعتصم بها، و عقل عمن تكلم بها، و أنزلها شفاء تاما، و عصمة بالغة، و نورا مبينا، و فهمها و فهم لوازمها كما ينبغي لا يقع في بدعة و لا شرك، و لا أصابه مرض من أمراض القلوب إلا لماما، غير مستقر.
هذا، و إنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاح لكنوز الجنة، و لكن ليس كل واحد يحسن الفتح بهذا المفتاح، و لو أن طلاب الكنوز وقفوا على سر هذه السورة، و تحققوا بمعانيها، و ركبوا لهذا المفتاح أسنانا، و أحسنوا الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكنوز من غير معاوق، و لا ممانع.
و لم نقل هذا مجازفة و لا استعارة، بل حقيقة، و لكن اللّه تعالى حكمة بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. و الكنوز المحجوبة قد استخدم عليها أرواح خبيثة شيطانية تحول بين الإنس و بينها، و لا تقهرها إلا أرواح علوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني، معها منه أسلحة لا تقوم لها الشياطين، و أكثر نفوس الناس ليست بهذه المثابة، فلا يقاوم تلك الأرواح و لا يقهرها، و لا ينال من سلبها شيئا، فإن من قتل قتيلا فله سلبه.