الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٦٥ - حرف الفاء
المجالس، لا تغلق دونه الأبواب، و لا تملّ مجالسته، و لا معاشرته، و لا يستثقل مكانه، تشير الأصابع إليه، و تعقد العيون نطاقها عليه، ان قال، سمع قوله، و إن شفع، قبلت شفاعته، و إن شهد، زكّيت شهادته، و إن خطب فكفء لا يعاب، و إن كان ذا شيبة بيضاء، فهي أجمل عليه من حلية الشباب.
و هي من الأدوية المفرحة النافعة من الهمّ و الغمّ و الحزن، و ضعف القلب و خفقانه، و تدخل في المعاجين الكبار، و تجتذب بخاصيتها ما يتولّد في القلب من الأخلاط الفاسدة، خصوصا إذا أضيفت إلى العسل المصفى، و الزعفران.
و مزاجها الى اليبوسة و البرودة، و يتولّد عنها من الحرارة و الرّطوبة ما يتولد، و الجنان التي أعدها اللّه عز و جل لأوليائه يوم يلقونه أربع: جنتان من ذهب، و جنتان من فضة، آنيتهما و حليتهما و ما فيهما. و قد ثبت عنه (صلى اللّه عليه و سلم) في «الصحيح» من حديث أم سلمة أنه قال: «الّذي يشرب في آنية الذّهب و الفضّة إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [١].
و صحّ عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «لا تشربوا في آنية الذّهب و الفضّة، و لا تأكلوا في صحافهما، فإنّها لهم في الدّنيا و لكم في الآخرة» [٢].
فقيل: علة التحريم تضييق النقود، فإنّها إذا اتّخذت أواني فاتت الحكمة التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم، و قيل: العلة الفخر و الخيلاء.
و قيل: العلة كسر قلوب الفقراء و المساكين إذا رأوها و عاينوها.
و هذه العلل فيها ما فيها، فإن التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها و جعلها سبائك و نحوها مما ليس بانية و لا نقد، و الفخر و الخيلاء حرام بأي شيء كان، و كسر قلوب المساكين لا ضابط له، فإن قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة، و الحدائق المعجبة، و المراكب الفارهة، و الملابس الفاخرة، و الأطعمة اللذيذة،
[١] أخرجه البخاري في الأشربة، و مسلم في اللباس و الزينة.
[٢] أخرجه البخاري في الأطعمة.