الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٧٦ - حرف الكاف
و كذلك سلط اللّه سبحانه و تعالى الريح على قوم سبع ليال و ثمانية أيام، ثم أبقى في العالم منها بقية في تلك الأيام، و في نظيرها عظة و عبرة.
و قد جعل اللّه سبحانه أعمال البرّ و الفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لا بد منه، فجعل منع الإحسان و الزكاة و الصدقة سببا لمنع الغيث من السماء، و القحط و الجدب، و جعل ظلم المساكين، و البخس في المكاييل و الموازين، و تعدي القوي على الضعيف سببا لجور الملوك و الولاة الذين لا يرحمون إن استرحموا، و لا يعطفون إن استعطفوا، و هم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم، فإن اللّه سبحانه بحكمته و عدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب و صور تناسبها، فتارة بقحط و جدب، و تارة بعدو، و تارة بولاة جائرين، و تارة بأمراض عامة، و تارة بهموم و آلام و غموم تحضرها نفوسهم لا ينفكّون عنها، و تارة بمنع بركات السماء و الأرض عنهم، و تارة بتسليط الشياطين عليهم توزهم إلى أسباب العذاب أزا، لتحق عليهم الكلمة، و ليصير كل منهم إلى ما خلق له، و العاقل يسير بصيرته بين أقطار العالم، فيشاهده، و ينظر مواقع عدل اللّه و حكمته، و حينئذ يتبين له أن الرسل و أتباعهم خاصة على سبيل النجاة، و سائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون، و إلى دار البوار صائرون، و اللّه بالغ أمره، لا معقب لحكمه، و لا راد لأمره، و باللّه التوفيق:
و قوله (صلى اللّه عليه و سلم) في الكمأة «و ماؤها شفاء للعين» فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ماءها يخلط في الأدوية التي يعالج بها العين، لا أنه يستعمل وحده، ذكره أبو عبيد.
الثاني: أنه يستعمل بحتا بعد شيّها، و استقطار مائها، لأن النار تلطّفه و تنضجه، و تذيب فضلاته و رطوبته المؤذية، و تبقي المنافع.
الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر، و هو أول قطر ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقتران، لا إضافة جزء، ذكره ابن الجوزي، و هو أبعد الوجوه و أضعفها.