الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٠٣ - فصل في هديه
الطبيب يقال له: طب أيضا. و الطب: بكسر الطاء: فعل الطبيب، و الطّبّ بضم الطاء: اسم موضع، قاله ابن السيد، و أنشد:
فقلت هل انهلتم بطبّ ركابكم* * * بجائزة الماء التي طاب طينها
و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «من تطبب»، و لم يقل: من طب، لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء و الدخول فيه بعسر و كلفة، و أنه ليس من أهله، كتحلم و تشجع و تصبر و نظائرها، و كذلك بنوا تكلف على هذا الوزن، قال الشاعر:
و قيس عيلان و من تقيّسا
و أما الأمر الشرعي، فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطّب و عمله، و لم يتقدم له به معرفة، فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، و أقدم بالتهوّر على ما لم يعلمه، فيكون قد غرّر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، و هذا إجماع من أهل العلم.
و قال الخطابي: لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى، فتلف المريض كان ضامنا، و المتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية، و سقط عنه القود، لأنه لا يستبدّ بذلك بدون إذن المريض و جناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته.
قلت: الأقسام خمسة: أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقّها و لم تجن يده، فتولّد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، و من جهة من يطبّه تلف العضو أو النفس، أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقا، فإنها سراية مأذون فيه، و هذا كما إذا ختن الصبي في وقت، و سنّه قابل للختان، و أعطى الصنعة حقها، فتلف العضو أو الصبيّ، لم يضمن، و كذلك إذا بطّ من عاقل أو غيره ما ينبغي بطّه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به، لم يضمن، و هكذا سراية كلّ مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها، كسراية الحد بالاتفاق. و سراية القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها، و سراية التعزيز، و ضرب الرجل امرأته، و المعلم الصبي، و المستأجر الدابة، خلافا لأبي حنيفة و الشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك، و استثنى الشافعي ضرب الدابة.