الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١١٠ - فصل في هديه
و روى البخاري في «صحيحه» تعليقا من حديث أبي هريرة، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد» [١].
و في «سنن ابن ماجه» من حديث ابن عباس، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تديموا النّظر إلى المجذومين» [٢].
و في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا يوردنّ ممرض على مصحّ» [٣].
و يذكر عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «كلّم المجذوم، و بينك و بينه قيد رمح أو رمحين» [٤].
الجذام: علة رديئة تحدث من انتشار المرّة السوداء في البدن كلّه، فيفسد مزاج الأعضاء و هيئتها و شكلها، و ربما فسد في آخره اتصالها حتى تتأكّل الأعضاء و تسقط و يسمى داء الأسد.
و في هذه التسمية ثلاثة أقوال للأطباء: أحدها: أنها لكثرة ما تعتري الأسد.
و الثاني: لأن هذه العلة تجهّم وجه صاحبها و تجعله في سحنة الأسد. و الثالث: أنه يفترس من يقربه، أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد.
و هذه العلة عند الأطباء من العلل المعدية المتوارثة، و مقارب المجذوم، و صاحب السل يسقم برائحته، فالنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لكمال شفقته على الأمة، و نصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول العيب و الفساد إلى أجسامهم و قلوبهم، و لا ريب أنه قد يكون في البدن تهيّؤ و استعداد كامن لقبول هذا الداء، و قد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره و تخالطه، فإنها نقالة، و قد يكون خوفها من ذلك و وهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها، فإن الوهم فعال مستول على القوى و الطبائع، و قد تصل رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، و هذا معاين في بعض الأمراض، و الرائحة أحد أسباب العدوى، و مع هذا كله فلا بد من وجود استعداد البدن و قبوله لذلك الداء، و قد تزوّج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) امرأة، فلما أراد الدخول بها، وجد بكشحها بياضا، فقال: «الحقي بأهلك» [٥].
[١] أخرجه البخاري في الطب، و أخرجه موصولا أبو نعيم في مستخرجه و ابن خزيمة و ابن حبان في صحيحهما
[٢] أخرجه الإمام أحمد و ابن ماجه عن ابن عباس
[٣] أخرجه البخاري في الطب، و مسلم في السلام. و أبو داود و ابن ماجه و أحمد و البيهقي و ابن جرير
[٤] أخرجه عبد اللّه بن الإمام أحمد، و أخرجه ابن السني و أبو نعيم في الطب و ضعّفه.
[٥] أخرجه الإمام أحمد