الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٠٧ - فصل
الخامس عشر: أن ينظر في العلة، هل هي مما يمكن علاجها أولا؟ فإن لم يمكن علاجها، حفظ صناعته و حرمته، و لا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئا.
و إن أمكن علاجها، نظر هل يمكن زوالها أم لا؟ فإن علم أنه لا يمكن زوالها، نظر هل يمكن تخفيفها و تقليلها أم لا؟ فإن لم يمكن تقليلها، و رأى أن غاية الإمكان إيقافها و قطع زيادتها، قصد بالعلاج ذلك، و أعان القوة، و أضعف المادة.
السادس عشر: ألّا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ، بل يقصد إنضاجه، فإذا تمّ نضجه، بادر إلى استفراغه.
السابع عشر: أن يكون له خبرة باعتلال القلوب و الأرواح و أدويتها، و ذلك أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن و طبيعته عن النفس و القلب أمر مشهود، و الطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب و الروح و علاجهما، كان هو الطبيب الكامل، و الذي لا خبرة له بذلك و إن كان حاذقا في علاج الطبيعة و أحوال البدن نصف طبيب. و كل طبيب لا يداوي العليل، بتفقد قلبه و صلاحه، و تقوية روحه و قواه بالصدقة، و فعل الخير، و الإحسان، و الإقبال على اللّه و الدار الآخرة، فليس بطبيب، بل متطبب قاصر. و من أعظم علاجات المرض فعل الخير و الإحسان و الذكر و الدعاء، و التضرع و الابتهال إلى اللّه، و التوبة، و لهذه الأمور تأثير في دفع العلل، و حصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية، و لكن بحسب استعداد النفس و قبولها و عقيدتها في ذلك و نفعه.
الثامن عشر: التلطف بالمريض، و الرّفق به، كالتلطّف بالصبي.
التاسع عشر: أن يستعمل انواع العلاجات الطبيعية و الإلهية، و العلاج بالتخييل، فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء، فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين.
العشرون:- و هو ملاك أمر الطبيب-، أن يجعل علاجه و تدبيره دائرا على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، و إزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، و احتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، و تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار