الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٥٤ - ذكر تواضعه و إنصافه لرعيته و مساواته لهم
يخدم أهلك و يرد عليهم، و حسبك من الدواب ثلاث: دابة لرحلك، و دابة لثقلك، و دابة لغلامك، ثم أنا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقا، و أنظر إلى مربطي قد امتلأ خيلا و دواب؛ و كيف ألقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد هذا و قد أوصانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (أن أحبكم إلي و أقربكم مني من لقيني على الحال التي فارقني عليها؟).
ذكر تواضعه و إنصافه لرعيته و مساواته لهم
روى أبو حذيفة في «فتوح الشام» أن أبا بكر قد بعث عمرو بن العاص في نفر و قال له: يا عمرو؛ هؤلاء أشراف قومك يخرجون مجاهدين في سبيل اللّه، بائعين أنفسهم للّه، فاخرج فعسكر حتى أندب الناس معك، فقال عمرو: يا خليفة رسول اللّه أ لست أنا الوالي على الناس؟ قال: بلى، أنت الوالي على من أبعثه معك من هاهنا؛ فقال:
بل على من أقدم عليه من المسلمين؛ قال: فقال: لا، و لكن أحد الأمراء فإن جمعتكم حرب فأبو عبيدة أميركم؛ فسكت عمرو، ثم لما حضر شخوصه جاء الى عمر فقال: يا أبا حفص، قد علمت نصرتي في الحرب و مناقبي في العدو؛ و قد رأيت منزلتي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد أرى أبا بكر ليس يعصيك، فأشر عليه رحمك اللّه أن يوليني أمر هذه الجنود بالشام، فإني أرجو أن يفتح اللّه على يدي البلاد، و أن يريكم اللّه و المسلمين ما تسرون به؛ فقال عمر: ما كنت لأكذبك، ما كنت لأكلمك في ذلك: و ما يوافقني أن يبعثك على أبي عبيدة و أبو عبيدة أفضل عندنا منزلة منك، قال: فإنه لا ينقص أبا عبيدة شيئا من فضله إن ولاني عليه؛ قال: فلما قدم عمرو على أبي عبيدة قال له أبو عبيدة: مرحبا بك يا أبا عبد اللّه رب يوم قد شهدته مباركا للمسلمين فيه برأيك و محضرك، و إنما أنا رجل منكم، لست- و إن كنت الوالي عليكم- بقاطع أمرا دونكم فاحضرني برأيك في كل يوم بما ترى، فإنه ليس لي عنك غنى، قال:
فقال عمرو: افعل، وفقك اللّه لما يصلح للمسلمين و نكبت به العدو.