الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٥٥ - ذكر تواضعه و إنصافه لرعيته و مساواته لهم
و روى أيضا أبو حذيفة في (فتوح الشام) أن الروم بعثوا إلى أبي عبيدة: إنا نريد أن نبعث إليك رجلا منا يعرض عليك الصلح و يدعوك إلى النصف، فإن قبلت منه فلعل ذلك أن يكون خيرا لك لنا و إن أبيت فما نراه إلا شرا لك. فقال لهم: ابعثوا من شئتم. فبعثوا رجلا طويلا أحمر أزرق، فجاء، فلما دنا من المسلمين لم يعرف أبا عبيدة من القوم، و لم يدر أ هو فيهم أم لا؟ و لم يرهبه مكان أمير من الأمراء. فقال: يا معشر العرب، أين أميركم؟ فقالوا له: ها هو ذا، فنظر فإذا هو بأبي عبيدة جالسا، عليه الدرع، و هو ممسك الفرس، و بيده أسهم يقلبها و هو جالس على ارض، فقال له: أنت أمير هؤلاء؟ قال: نعم، قال: ما يجلسك على الأرض؟ أ رأيت إن كنت جالسا على وسادة أو كان تحتك بساط أ كان ذلك واضعك عند اللّه، أو هل يبعدك من الإحسان؟ قال له أبو عبيدة: إن اللّه لا يستحي من الحق، لأصدقنك: ما أصبحت أملك إلا سيفي و فرسي و سلاحي، و لقد احتجت أمس إلى نفقة فاقترضت من أخي هذا شيئا- يعني معاذ بن جبل- و كان عنده شيء فاقترضت، و لو كان عندي بساط أو وسادة ما كنت لأجلس عليه و أجلس أخي المسلم- الذي لا أدري لعله خير مني منزلة عند اللّه عز و جل- على الأرض، و نحن عباد اللّه، نمشي على الأرض و نجلس عليها و نأكل عليها و نضطجع عليها، و ليس ذلك بناقصنا عند اللّه شيئا، بل تعظم به أجورنا و ترفع درجاتنا، فهلم حاجتك التي جئت لها.
و أخرج أيضا أبو حذيفة أن أبا عبيدة لما وجهه عمر إلى الشام تلقاه في جنوده و هو على قلوص، مكتنفها بعباءة خطامها من شعر، لابس سلاحه متنكب قوسه.
و عن أبي موسى رضي اللّه عنه أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون الذي وقع بالشام أنه: قد عرضت حاجة عندنا و لا غنى فيها عنك، فإذا أتاك كتابي هذا فإني أعزم عليك إن أتاك كتابي ليلا أن لا