الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٢٥٣ - ذكر اختصاصه بيوم أحد
اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأبي عبيدة بن الجراح: عليكما [١]؛ يريد طلحة، و قد نزف، فأصلحنا من شأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا فيه بضع و سبعون أو أقل أو أكثر بين طعنة و ضربة و رمية، و إذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه. أخرجه صاحب الصفوة، و أخرج أبو حاتم معناه و لفظه: قال: قال أبو بكر: لما صرف الناس يوم أحد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كنت أول من جاء إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجعلت أنظر إلى رجل بين يديه يقاتل عنه و يحميه، فجعلت أقول:
كن طلحة، فداك أبي و أمي، مرتين؛ ثم نظرت إلى رجل خلفي، كأنه طائر، فلم أنشب أن أدركني، فإذا أبو عبيدة بن الجراح، فدفعنا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إذا طلحة بين يديه صريع؛ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دونكم أخاكم، فأهويت إلى ما رمي به في جبهته و وجنته لأنزعه؛ قال لي أبو عبيدة: نشدتك اللّه يا أبا بكر إلا تركتني. قال: فتركته، فأخذ أبو عبيدة السهم بفمه فجعل ينضنضه، و يكره أن يؤذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم استله بفمه؛ ثم أهويت إلى السهم الذي في وجنته لأنزعه؛ فقال أبو عبيدة: نشدتك باللّه يا أبا بكر إلا تركتني. فأخذ السهم بفمه، و جعل ينضنضه، و يكره أن يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم استله؛ و كان طلحة أشد
[١] أي رماه بما يصلح شأنه، و تلك العناية بطلحة منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دليل رحمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وفائه، و حسن صنيعه، و تقديره، و صدق اللّه العظيم إذ قال: لصلاح المجتمع، و حسن حال الفرد:
[لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه و اليوم الآخر و ذكر اللّه كثيرا]
و الدنيا اليوم في حاجة ملحة إلى الاقتداء به (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذين الخلقين العظيمين الرحمة و الوفاء، و هما من أظهر شعب الإيمان، و صفات المؤمنين قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى] رواه الإمام أحمد و مسلم عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنهما و الوفاء من حسن العهد، و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) [إن حسن العهد من الإيمان] رواه الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي اللّه عنها.