الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٢٤٧ - الفصل الثاني في اسمه و كنيته
الصحيحين و الفضائلي و الطائي و غيره.
و عن طلحة بن عبيد اللّه قال: سماني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد طلحة
الإبل ثم البقر ثم الغنم، لكيلا يفر أحد من المقاتلة.
و قد سار (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليهم في اثني عشر ألف مقاتل: حين بلغه استعدادهم لحربه و قد أعجب المسلمون: بكثرتهم، فلم تغن عنهم شيئا، فإن مقدمة المسلمين- توجهت جهة العدو، فخرج لهم كمين كان مستترا في شعاب الوادي و مضايقه، و قابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، فلووا أعنة خيلهم: متقهقرين، و لما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة.
و قد ثبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بغلته في ميدان القتال، و ثبت معه قليل من المهاجرين و الأنصار، و كان العباس آخذا بلجام البغلة، و أبو سفيان بن الحارث آخذا بالركاب، و كان عليه الصلاة و السلام ينادي أيها الناس، لا يلوي عليه أحد و ضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت.
و أما رجال مكة الذين هم حديثو عهد بالإسلام، و الذين لم ينزعوا عنهم ربقة الشرك- فمنهم من فرح، و منهم من ساءه هذا الإدبار: قال أخ لصفوان بن أمية: الآن بطل السحر، فقال له صفوان: و هو على شركه: اسكت، فض اللّه فاك، و اللّه لأن يربني رجل من قريش- خير من أن يربني رجل من هوازن و قد بلغت هزيمة بعض الفارين مكة: كل هذا، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- واقف مكانه: يقول:
أنا النبي لا كذب* * * أنا ابن عبد المطلب
ثم قال للعباس: و كان جهوري الصوت: ناد بالأنصار، يا عباس، فنادى: يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأسمع من في الوادي، و صار الأنصار يقولون:
لبيك، لبيك، و يريد كل واحد منهم أن يلوى عنان بعيره، فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، و يأخذ سيفه، و ترسه، و ينزل عن بعيره، و يخلى سبيله، و يؤم الصوت، حتى اجتمع حول رسول اللّه جمع عظيم منهم، و أنزل اللّه سكينته على رسوله و على المؤمنين، و أنزل جنودا لم يروها، فكر المسلمون على عدوهم على قلب رجل واحد، فتفرق المشركون في كل وجه لا يلوون على شيء من الأموال و النساء و الذراري، و تبعهم المسلمون: يقتلون، و يأسرون، فأخذوا النساء، و الذراري، و أسروا كثيرا من المحاربين، و هرب من هرب، و جرح في هذا اليوم خالد بن الوليد جراحات بالغة، و أسلم ناس كثيرون من مشركي مكة لما رأوه من عناية اللّه بالمسلمين و إن في الذي حصل في هذه الغزوة- لعبرة بالغة، فقد دخل جيش المسلمين أخلاط كثيرون؛ من أعراب، و مشركين، و حديثي عهد بإسلام، و هؤلاء: يستوي لديهم نصر الإسلام و خذلانه، و لذلك- بادروا