الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٥٣ - ذكر خوفه من اللّه عز و جل
تصنع؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي؟ قال: فدخل منزله فلم ير شيئا، قال: أين متاعك؟ ما أرى إلا لبدا و صحفة و شنا، و أنت أمير عندك طعام، فقام أبو عبيدة إلى جونة فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل، فقال عمر: غرتنا الدنيا، كلنا غيرك يا أبا عبيدة. و أخرج جميع ذلك بتغيير بعض ألفاظه صاحب (فتوح الشام) و أخرج أيضا أبو حذيفة في فتوح الشام أن أبا بكر لما توفي و خالد على الشام واليا و استخلف عمر كتب إلى أبي عبيدة بالولاية على الجماعة، و عزل خالدا، فكتم أبو عبيدة الكتاب من خالد و غيره حتى انقضت الحرب و كتب خالد الأمان لأهل دمشق و أبو عبيدة الأمير و هم لا يدرون ثم لما علم خالد بذلك بعد ما مضى نحو من عشرين ليلة دخل على أبي عبيدة فقال. يغفر اللّه لك، جاءك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني و أنت تصلي خلفي و السلطان سلطانك؟ فقال له أبو عبيدة: و يغفر اللّه لك، ما كنت لأعلمك حتى تعلمه من غيري، و ما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله و قد كنت أعلمك إن شاء اللّه تعالى، و ما سلطان الدنيا أريد، و ما للدنيا أعمل، و إن ما نرى سيصير إلى زوال و انقطاع، و إنما نحن إخوان و قوام بأمر اللّه عز و جل، و ما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه و لا دنياه بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة و أوقعهما في الخطيئة لما يعرض من الهلكة إلا من عصم اللّه عز و جل و قليل ما هم. فدفع أبو عبيدة عند ذلك الكتاب الى خالد.
ذكر خوفه من اللّه عز و جل
روى أحمد في مسنده أن أبا عبيدة دخل عليه إنسان و هو يبكي فقال:
ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ فقال: يبكيني أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذكر يوما ما يفتح اللّه على المسلمين، حتى ذكر الشام فقال: إن ينسأ من أجلك يا أبا عبيدة فحسبك من الخدم ثلاثة: خادم يخدمك، و خادم يسافر معك، و خادم