دنيا و آخرت از نگاه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢١٦
١١٦٤.ربيع الأبرار : كانَ نوحٌ عليه السلام في بَيتٍ مِن شَعرٍ ألفا وأربَعَمِئَةِ سَنَةٍ ، فَكُلَّما قيلَ لَهُ : يا رَسولَ اللّه ِ ، لَوِ اتَّخَذتَ بَيتا مِن طينٍ تَأوي إلَيهِ! قالَ : أنَا مَيِّتٌ غَدا فَتارِكُهُ . فَلَم يَزَل فيهِ حَتّى فارَقَ الدُّنيا . [١]
١١٦٥.الإمام عليّ عليه السلام ـ في خُطبَةٍ لَهُ ـ : ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّه صلى الله عليه و آله كافٍ لَكَ فِي الاُسوَةِ ، ودَليلٌ لَكَ عَلى ذَمِّ الدُّنيا وعَيبِها ، وكَثرَةِ مَخازيها ومَساويها ، إذ قُبِضَت عَنهُ أطرافُها ، ووُطِّئَت لِغَيرِهِ أكنافُها [٢] ، وفُطِمَ عَن رَضاعِها ، وزُوِيَ عَن زَخارِفِها . وإن شِئتَ ثَنَّيتُ بِموسى كَليمِ اللّه ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيهِ وسَلَّمَ ـ إذ يَقولُ : «رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» [٣] ، وَاللّه ِ ما سَأَلَهُ إلاّ خُبزا يَأكُلُهُ ؛ لاِءَنَّهُ كانَ يَأكُلُ بَقلَةَ الأَرضِ . ولَقَد كانَت خُضرَةُ البَقلِ تُرى من شَفيفِ صِفاقِ بَطنِهِ ؛ لِهُزالِهِ وتَشَذُّبِ لَحمِهِ . وإن شِئتَ ثَلَّثتُ بِداوود ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيهِ وسَلَّمَ ـ صاحِبِ المَزاميرِ وقارِىَء أهلِ الجَنَّةِ ، فَلَقَد كانَ يَعمَلُ سَفائِفَ الخوصِ بِيَدِهِ ، ويَقولُ لِجُلَسائِهِ : أيُّكُم يَكفيني بَيعَها؟ ويَأكُلُ قُرصَ الشَّعيرِ مِن ثَمَنِها . وإن شِئتَ قُلتُ في عيسَى بنِ مَريَمَ عليه السلام ، فَلَقَد كانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ ويَلبَسُ الخَشِنَ ويَأكُلُ الجَشِبَ . وكانَ إدامُهُ الجوعَ ، وسِراجُهُ بِاللَّيلِ القَمَرَ ، وظِلالُهُ فِي الشِّتاءِ مَشارِقَ الأَرضِ ومَغارِبَها ، وفاكِهَتُهُ ورَيحانُهُ ما تُنبِتُ الأَرضُ لِلبَهائِمِ . ولَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ ، ولا وَلَدٌ يَحزُنُهُ ، ولا مالٌ يَلفِتُهُ ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ . دابَّتُهُ رِجلاهُ ، وخادِمُهُ يَداهُ . فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطيَبِ الأَطهَرِ صلى الله عليه و آله ، فَإِنَّ فيهِ اُسوَةً لِمَن تَأَسّى ، وعَزاءً لِمَن تَعَزّى . وأحَبُّ العِبادِ إلَى اللّه ِ المُتَأَسّي بِنَبِيِّهِ وَالمُقتَصُّ لاِءَثَرِهِ ، قَضَمَ الدُّنيا قَضما ، ولَم يُعِرها طَرفا ، أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحا [٤] ، وأخمَصُهُم [٥] مِنَ الدُّنيا بَطنا ، عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللّه َ سُبحانَهُ أبغَضَ شَيئا فَأَبغَضَهُ ، وحَقَّرَ شَيئا فَحَقَّرَهُ ، وصَغَّرَ شَيئا فَصَغَّرَهُ . ولَو لَم يَكُن فينا إلاّ حُبُّنا ما أبغَضَ اللّه ُ ورَسولُهُ وتَعظيمُنا ما صَغَّرَ اللّه ُ ورَسولُهُ ، لَكَفى بِهِ شِقاقا لِلّهِ ومُحادَّةً عَن أمرِ اللّه ِ . ولَقَد كانَ صلى الله عليه و آله يَأكُلُ عَلَى الأَرضِ ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ ، ويَخصِفُ بِيَدِهِ نَعلَهُ ، ويَرقَعُ بِيَدِهِ ثَوبَهُ ، ويَركَبُ الحِمارَ العارِيَ ويُردِفُ خَلفَهُ ، ويَكونُ السِّترُ عَلى بابِ بَيتِهِ فَتَكونُ فيهِ التَّصاويرُ فَيَقولُ : يا فُلانَةُ ـ لاِءِحدى أزواجِهِ ـ غَيِّبيهِ عَنّي ، فَإِنّي إذا نَظَرتُ إلَيهِ ذَكَرتُ الدُّنيا وزَخارِفَها . فَأَعرَضَ عَنِ الدُّنيا بِقَلبِهِ ، وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِهِ ، وأحَبَّ أن تَغيبَ زينَتُها عَن عَينِهِ ، لِكَيلا يَتَّخِذَ مِنها رِياشا ، ولا يَعتَقِدَها قَرارا ، ولا يَرجُوَ فيها مُقاما ، فَأَخرَجَها مِنَ النَّفسِ ، وأشخَصَها عَنِ القَلبِ ، وغَيَّبَها عَنِ البَصَرِ . وكَذا مَن أبغَضَ شَيئا أبغَضَ أن يَنظُرَ إلَيهِ وأن يُذكَرَ عِندَهُ . ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّه صلى الله عليه و آله ما يَدُلُّكَ عَلى مَساوِىَء الدُّنيا وعُيوبِها ؛ إذ جاعَ فيها مَعَ خاصَّتِهِ ، وزُوِيَت عَنهُ زَخارِفُها مَعَ عَظيمِ زُلفَتِهِ . فَليَنظُر ناظِرٌ بِعَقلِهِ : أكرَمَ اللّه ُ مُحَمَّدا بِذلِكَ أم أهانَهُ؟ فَإِن قالَ: أهانَهُ ، فَقَد كَذَبَ ـ وَاللّه ِ العَظيمِ ـ بِالإِفكِ العَظيمِ . وإن قالَ : أكرَمَهُ ، فَليَعلَم أنَّ اللّه َ قَد أهانَ غَيرَهُ حَيثُ بَسَطَ الدُّنيا لَهُ ، وزَواها عَن أقرَبِ النّاسِ مِنهُ . فَتَأَسّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقتَصَّ أثَرَهُ ، ووَلَجَ مَولِجَهُ ، وإلاّ فَلا يَأمَنِ الهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللّه َ جَعَلَ مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله عَلَما لِلسّاعَةِ ، ومُبَشِّرا بِالجَنَّةِ ، ومُنذِرا بِالعُقوبَةِ ، خَرَجَ مِنَ الدُّنيا خَميصا ، ووَرَدَ الآخِرَةَ سَليما . لَم يَضَع حَجَرا عَلى حَجَرٍ حَتّى مَضى لِسَبيلِهِ ، وأجابَ داعِيَ رَبِّهِ . فَما أعظَمَ مِنَّةَ اللّه ِ عِندَنا حينَ أنعَمَ عَلَينا بِهِ سَلَفا نَتَّبِعُهُ ، وقائِدا نَطَأُ عَقِبَهُ . وَاللّه ِ لَقَد رَقَعتُ مِدرَعَتي هذِهِ حَتَّى استَحيَيتُ مِن راقِعِها ، ولَقَد قالَ لي قائِلٌ : ألا تَنبِذُها؟فَقُلتُ : اُغرُب عَنّي ، فَعِندَ الصَّباحِ يَحمَدُ القَومُ السُّرى [٦] . [٧]
[١] ربيع الأبرار : ج ١ ص ٣٣٧ .[٢] الكَنَفُ : الجانب (الصحاح : ج ٤ ص ١٤٢٤ «كنف») .[٣] القصص : ٢٤ .[٤] الكَشْح : الخَصْر . وأهضَمُ الكَشْحَين : أي دقيق الخَصْرَين (النهاية : ج ٤ ص ١٧٥ «كشح») .[٥] الخَمصُ : الجوع ، ورجلٌ خُمصان وخَميص : إذا كان ضامر البطن (النهاية : ج ٢ ص ٨٠ «خمص») .[٦] «عند الصَّباح يَحمَدُ القومُ السُّرى» : هو مَثَلٌ يُضرب لما يُنال بالمشَقَّة ، ويُوصَل إل��ه بالتَّعَب (جمهرة الأمثال : ج ٢ ص ٣٨ الرقم ١٢٩٣) .[٧] نهج البلاغة : الخطبة ١٦٠ ، بحار الأنوار : ج ١٦ ص ٢٨٤ ح ١٣٦ وليس فيه ذيله من «واللّه لقد رقعت مدرعتي . . .» .