دنيا و آخرت از نگاه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢١٢
الفصل السادس : أماثل الزهّاد
٦ / ١
الأَنبِياء
١١٦٢.رسول اللّه صلى الله عليه و آله : مَا اتَّخَذَ اللّه ُ نَبِيّا إلاّ زاهِدا . [١]
١١٦٣.الإمام عليّ عليه السلام : مِمّا يَدُلُّكَ عَلى دَناءَةِ الدُّنيا أنَّ اللّه َ ـ جَلَّ ثَناؤُهُ ـ زَواها عَن أولِيائِهِ وأحِبّائِهِ نَظَرا وَاختِيارا ، وبَسَطَها لاِءَعدائِهِ فِتنَةً وَاختِبارا ، فَأَكرَمَ عَنها مُحَمَّدا نَبِيَّهُ صلى الله عليه و آله حينَ عَصَبَ عَلى بَطنِهِ مِنَ الجوعِ ، وحَماها موسى نَجِيَّهُ المُكَلَّمَ ، وكانَت تُرى خُضرَةُ البَقلِ مِن صِفاقِ [٢] بَطنِهِ مِنَ الهُزالِ ، وما سَأَلَ اللّه َ ـ جَلَّ ثَناؤُهُ ـ يَومَ أوى إلَى الظِّلِّ إلاّ طَعاما يَأكُلُهُ لِما جَهَدَهُ مِنَ الجوعِ ، ولَقَد جاءَتِ الرِّوايَةُ عَنهُ أنَّهُ كانَ اُوحِيَ إلَيهِ : إذا رَأَيتَ الغِنى مُقبِلاً فَقُل : ذَنبٌ عُجِّلَت عُقوبَتُهُ ، وإذا رَأَيتَ الفَقرَ مُقبِلاً فَقُل : مَرحَبا بِشِعارِ الصّالِحينَ . وصاحِبَ الرُّوحِ وَالكَلِمَةِ عيسَى بنَ مَريَمَ عليه السلام إذ قالَ : اُدمِيَ [٣] الجوعُ ، وشِعارِيَ الخَوفُ ، ولِباسِيَ الصّوفُ ، ودابَّتِي رِجلايَ ، وسِراجي بِاللَّيلِ القَمَرُ ، وصَلائي [٤] فِي الشِّتاءِ مَشارِقُ الشَّمسِ ، وفاكِهَتي ما أنبَتَتِ الأَرضُ لِلأَنعامِ ، أبيتُ ولَيسَ لي شَيءٌ ، ولَيسَ أحَدٌ أغنى مِنّي . أو سُلَيمانَ بنَ داوودَ عليه السلام وما اُوتِيَ مِنَ المُلكِ ؛ إذ كانَ يَأكُلُ خُبزَ الشَّعيرِ ، ويُطعِمُ أهلَهُ الحِنطَةَ ، وإذا جَنَّهُ اللَّيلُ لَبِسَ المُسوحَ ، وغَلَّ يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ، وباتَ باكِيا حَتّى يُصبِحَ ، ويُكثِرُ أن يَقولَ : رَبِّ إنّي ظَلَمتُ نَفسي كَثيرا ، وإلاّ تَغفِر لي وتَرحَمني أكُن مِنَ الخاسِرينَ ، لا إلهَ إلاّ أنتَ سُبحانَكَ إنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمينَ . فَهؤُلاءِ أنبِياءُ اللّه ِ وأصفِياؤُهُ وأولِياؤُهُ ، تَنَزَّهوا عَنِ الدُّنيا ، وزَهِدوا فيما زَهَّدَهُمُ اللّه ُ ـ جَلَّ ثَناؤُهُ ـ فيهِ مِنها ، وأبغَضوا ما أبغَضَ ، وصَغَّروا ما صَغَّرَ ، ثُمَّ اقتَصَّ الصّالِحونَ آثارَهُم وسَلَكوا مَناهِجَهُم ، وألطَفُوا الفِكَرَ ، وَانتَفَعوا بِالعِبَرِ ، وصَبَروا في هذَا العُمُرِ القَصيرِ عَن مَتاعِ الغُرورِ الَّذي يَعودُ إلَى الفَناءِ ، ويَصيرُ إلَى الحِسابِ . نَظَروا بِعُقولِهِم إلى آخِرِ الدُّنيا ولَم يَنظُروا إلى أوَّلِها ، وإلى باطِنِ الدُّنيا ولَم يَنظُروا إلى ظاهِرِها ، وفَكَّروا في مَرارَةِ عاقِبَتِها ، فَلَم تَستَهِزَّهُم حَلاوَةُ عاجِلِها ، ثُمَّ ألزَموا أنفُسَهُمُ الصَّبرَ ، وأنزَلُوا الدُّنيا مِن أنفُسِهِم كَالمَيتَةِ الَّتي لا يَحِلُّ لاِءَحَدٍ أن يَشبَعَ مِنها إلاّ في حالِ الضَّرورَةِ إلَيها ، وأكَلوا مِنها بِقَدرِ ما أبقى لَهُمُ النَّفسَ وأمسَكَ الرّوحَ ، وجَعَلوها بِمَنزِلَةِ الجيفَةِ الَّتِي اشتَدَّ نَتنُها ، فَكُلُّ مَن مَرَّ بِها أمسَكَ عَلى أنفِهِ مِنها ، فَهُم يَتَبَلَّغونَ مِنها بِأَدنَى البَلاغِ ، ولا يَنتَهونَ إلَى الشِّبَعِ مِنَ النَّتنِ ، ويَتَعَجَّبونَ مِنَ المُمتَلىَء مِنها شِبَعا ، وَالرّاضي بِها نَصيبا . [٥]
[١] مستدرك الوسائل : ج ١٢ ص ٥١ ح ١٣٤٨٨ نقلاً عن القطب الراوندي في لبّ اللباب .[٢] الصِّفاقُ : الجلد الذي عليه الشَّعَر (الصحاح : ج ٤ ص ١٥٠٨ «صفق») .[٣] الاُدْم والإدام : ما يؤتَدَم به ، تقول منه : أدَمَ الخُبزَ باللحمِ يأْدِمُه (الصحاح : ج ٥ ص ١٨٥٩ «أدم») .[٤] الصِّلاءُ : حَرّ النار (المصباح المنير : ص ٣٤٦ «صَلِيَ») .[٥] دستور معالم الحكم : ص ٤٠ ؛ بحار الأنوار : ج ٧٣ ص ١١٠ ح ١٠٩ .