دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٦٠
٤.الكافي عن محمّد بن عَطيَّة: جاءَ رَجُلٌ إلى أبي جَعفَرٍ عليه السلام مِن أهلِ الشّامِ مِن عُلَمائِهِم فَقالَ : يا أبا جَعفَرٍ ، جِئتُ أسأَلُكَ عَن مَسأَلَةٍ قَد أعيَت عَلَيَّ أن أجِدَ أحَداً يُفَسِّرُها ! وقَد سَأَلتُ عَنها ثَلاثَةَ أصنافٍ مِنَ النّاسِ ، فَقالَ كُلُّ صِنفٍ مِنهُم شَيئاً غَيرَ الَّذي قالَ الصِّنفُ الآخَرُ ! فَقالَ لَهُ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : ما ذاكَ؟ قالَ : فَإِنّي أسأَلُكَ عَن أوَّلِ ما خَلَقَ اللّهُ مِن خَلقِهِ ؛ فَإِنَّ بَعضَ مَن سَأَلتُهُ قالَ : القَدَرُ ،[١] وقالَ بَعضُهُم : القَلَمُ ، وقالَ بَعضُهُم : الرّوحُ! فَقالَ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : ما قالوا شَيئاً! اُخبِرُكَ أنَّ اللّهَ تَبارَكَ وتَعالى كانَ ولا شَيءَ غَيرُهُ ، وكانَ عَزيزاً ولا أحَدَ كانَ قَبلَ عِزِّهِ ، وذلِكَ قَولُهُ : «سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ » ، [٢] وكانَ الخالِقُ قَبلَ المَخلوقِ ، ولَو كانَ أوَّلُ ما خَلَقَ مِن خَلقِهِ الشَّيءَ مِنَ الشَّيءِ إذاً لَم يَكُن لَهُ انقِطاعٌ أبَداً ، ولَم يَزَلِ اللّهُ إذاً ومَعَهُ شَيءٌ لَيسَ هُوَ يَتَقَدَّمُهُ ، ولكِنَّهُ كانَ إذ لا شَيءَ غَيرُهُ ، وخَلَقَ الشَّيءَ الَّذي جَميعُ الأَشياءِ مِنهُ وهُوَ الماءُ الَّذي خَلَقَ الأَشياءَ مِنهُ ، فَجَعَلَ نَسَبَ كُلِّ شَيءٍ إلَى الماءِ ، ولَم يَجعَل لِلماءِ نَسَباً يُضافُ إلَيهِ ، وخَلَقَ الرّيحَ مِنَ الماءِ ، ثُمَّ سَلَّطَ الرّيحَ عَلَى الماءِ ، فَشَقَّقَتِ الرّيحُ مَتنَ الماءِ حَتّى ثارَ مِنَ الماءِ زَبَدٌ عَلى قَدرِ ما شاءَ أن يَثورَ ، فَخَلَقَ مِن ذلِكَ الزَّبَدِ أرضاً بَيضاءَ نَقِيَّةً لَيسَ فيها صَدعٌ[٣] ولا ثَقبٌ ولا صُعودٌ ولا هُبوطٌ ولا شَجَرَةٌ ، ثُمَّ طَواها فَوَضَعَها فَوقَ الماءِ ، ثُمَّ خَلَقَ اللّهُ النّارَ مِنَ الماءِ ، فَشَقَّقَتِ النّارُ مَتنَ الماءِ حَتّى ثارَ مِنَ الماءِ دُخانٌ عَلى قَدرِ ما شاءَ اللّهُ أن يَثورَ ، فَخَلَقَ مِن ذلِكَ الدُّخانِ سَماءً صافِيَةً نَقِيَّةً لَيسَ فيها صَدعٌ ولا ثَقبٌ ، وذلِكَ قَولُهُ : «أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَ أَغْطَشَ لَيْلَهَا وَ أَخْرَجَ ضُحَاهَا » [٤] قالَ : ولا شَمسٌ ولا قَمَرٌ ولا نُجومٌ ولا سَحابٌ ، ثُمَّ طَواها فَوَضَعَها فَوقَ الأرضِ . ثُمَّ نَسَبَ الخَليقَتَينِ فَرَفَعَ السَّماءَ قَبلَ الأَرضِ ، فَذلِكَ قَولُهُ عَزَّ ذِكرُهُ : «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا » [٥] يَقولُ : بَسَطَها . فَقالَ لَهُ الشّامِيُّ : يا أبا جَعفَرٍ ! قَولُ اللّهِ تَعالى : «أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا » ؟ فَقالَ لَهُ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : فَلَعَلَّكَ تَزعُمُ أنَّهُما كانَتا رَتقاً مُلتَزِقَتَينِ مُلتَصِقَتَينِ ، فَفُتِقَت إحداهُما مِنَ الاُخرى؟ فَقالَ : نَعَم . فَقالَ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : اِستَغفِر رَبَّكَ! فَإِنَّ قَولَ اللّهِ جَلَّ وعَزَّ : « كَانَتَا رَتْقًا » يَقولُ : كانَتِ السَّماءُ رَتقاً لا تُنزِلُ المَطَرَ ، وكانَتِ الأَرضُ رَتقاً لا تُنبِتُ الحَبَّ ، فَلَمّا خَلَقَ اللّهُ تَبارَكَ وتَعالَى الخَلقَ وبَثَّ فيها مِن كُلِّ دابَّةٍ فَفَتَقَ السَّماءَ بِالمَطَرِ وَالأَرضَ بِنَباتِ الحَبِّ . فَقالَ الشّامِيُّ : أشهَدُ أنَّكَ مِن وُلدِ الأَنبِياءِ ، وأنَّ عِلمَكَ عِلمُهُم . [٦]
[١] في التوحيد: «القُدرة». [٢] الصافّات: ١٨٠. [٣] الصَّدْع: الشَّقّ (الصحاح: ج ٣ ص ١٢٤١«صدع»). [٤] النازعات: ٢٧ ـ ٢٩. [٥] النازعات: ٣٠. [٦] الكافي: ج ٨ ص ٩٤ ح ٦٧ ، التوحيد: ص ٦٧ ح ٢٠ عن جابر الجعفي نحوه وفيه صدره إلى «جميع الأشياء منه وهو الماء» ، بحار الأنوار: ج ٥٧ ص ٩٦ ح ٨١.