دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٣٦
٦٢.الإمام الصادق عليه السلام : لَولا أَنَّ اللّهَ حَبَسَ الرّيحَ عَلَى الدُّنيا لَأَخوَتِ[١] الأَرضُ ، ولَولَا السَّحابُ لَخَرِبَتِ الأَرضُ فَما أنبَتَت شَيئاً ، ولكِنَّ اللّهَ يَأمُرُ السَّحابَ فَيُغَربِلُ الماءَ فَيُنزِلُ قَطراً ، وإنَّهُ اُرسِلَ عَلى قَومِ نوحٍ بِغَيرِ سَحابٍ .[٢]
٦٣.عنه عليه السلام : الرّيحُ هَواءٌ إذا تَحَرَّكَ يُسمّى ريحاً ، فَإِذا سَكَنَ يُسَمّى هَواءً ، وبِهِ قِوامُ الدُّنيا ، ولَو كُفَّتِ الرّيحُ ثَلاثَةَ أيّامٍ لَفَسَدَ كُلُّ شَيءٍ عَلى وَجهِ الأَرضِ ونَتِنَ ، وذلِكَ أنَّ الرّيحَ بِمَنزِلَةِ المِروَحَةِ تَذُبُّ وتَدفَعُ الفَسادَ عَن كُلِّ شَيءٍ وتُطيِّبُهُ ، فَهِيَ بِمَنزِلَةِ الرّوحِ إذا خَرَجَ عَنِ البَدَنِ نَتِنَ البَدَنُ وتَغَيَّرَ ، تَبارَكَ اللّهُ أحسَنُ الخالِقينَ .[٣]
٦٤.عنه عليه السلام : الرّيحُ لَو حُبِسَت أيّاماً لَفَسَدَتِ الأَشياءُ جَميعاً وتَغَيَّرَت .[٤]
٦٥.عنه عليه السلام ـ لِلمُفَضَّلِ بنِ عُمَرَ ـ :فَكِّر يا مُفَضَّلُ فيما خَلَقَ اللّهُ عز و جلعَلَيهِ هذِهِ الجَواهِرَ الأَربَعَةَ لِيَتَّسِعَ ما يَحتاجُ إلَيهِ مِنها ، فَمِن ذلِكَ سَعَةُ هذِهِ الأَرضِ وَامتِدادُها ، فَلَولا ذلِكَ كَيفَ كانَت تَتَّسِعُ لِمَساكِنِ النّاسِ ومَزارِعِهِم ومَراعيهِم ومَنابِتِ أخشابِهِم وأحطابِهِم ، وَالعَقاقيرِ العَظيمَةِ وَالمَعادِنِ الجَسيمَةِ غَناؤُها[٥] ، ولَعَلَّ مَن يُنكِرُ هذِهِ الفَلَواتِ الخاليَةَ وَالقِفارَ الموحِشَةَ يَقولُ : مَا المَنفَعَةُ فيها؟ فَهِيَ مَأوى هذِهِ الوُحوشِ ومَحالُّها ومَرعاها ، ثُمَّ فيها بَعدُ مُتَنَفَّسٌ ومُضطَرَبٌ لِلناّسِ إذَا احتاجوا إلَى الاِستِبدالِ بِأَوطانِهِم ، وكَم بَيداءَ وكَم فَدفَدٍ[٦] حالَت قُصوراً وجِناناً بِانتِقالِ النّاسِ إلَيها وحُلولِهمِ فيها ، ولَولا سَعَةُ الأَرضِ وفُسحَتُها لَكانَ النّاسُ كَمَن هُوَ في حِصارٍ ضَيِّقٍ لا يَجِدُ مَندوحَةً[٧] عَن وَطَنِهِ إذا أحزَنَهُ أمرٌ يَضطَرُّهُ إلَى الاِنتِقالِ عَنهُ . ثُمَّ فَكِّر في خَلقِ هذِهِ الأَرضِ عَلى ما هِيَ عَلَيهِ حينَ خُلِقَت راتِبَةً راكِنَةً ، فَيَكونُ مَوطِناً مُستَقَرّاً لِلأَشياءِ ؛ فَيَتَمَكَّنُ النّاسُ مِنَ السَّعيِ عَلَيها في مَآرِبِهِم[٨] ، وَالجُلوسِ عَلَيها لِراحَتِهِم ، وَالنَّومِ لِهُدُوئِهِم ، وَالإِتقانِ لِأَعمالِهِم . فَإِنَّها لَو كانَت رَجراجَةً[٩] مُتَكَفِّئَةً ، لَم يَكونوا يَستَطيعونَ أن يُتقِنُوا البِناءَ وَالتِّجارَةَ وَالصَّناعَةَ وما أشبَهَ ذلِكَ ، بَل كانوا لا يَتَهَنَّؤونَ بِالعَيشِ وَالأَرضُ تَرتَجُّ مِن تَحتِهِم! وَاعتَبِر ذلِكَ بِما يُصيبُ النّاسَ حينَ الزَّلازِلِ عَلى قِلَّةِ مَكثِها حَتّى يُصيروا إلى تَركِ مَنازِلِهم وَالهَرَبِ عَنها . فَإِن قالَ قائِلٌ : فَلِمَ صارَت هذِهِ الأَرضُ تُزَلزَلُ؟ قيلَ لَهُ : إنَّ الزَّلزَلَةَ وما أشبَهَها مَوعِظَةٌ وتَرهيبٌ ؛ يُرَهَّبُ بِهَا النّاسُ لِيَرعَووا عَنِ المَعاصي ، وكَذلِكَ ما يَنزِلُ بِهِم مِنَ البَلاءِ في أبدانِهِم وأموالِهِم ، يَجري فِي التَّدبيرِ عَلى ما فيهِ صَلاحُهُم وَاستِقامَتُهُم ، ويُدَّخَرُ لَهُم ـ إن صَلَحوا ـ مِنَ الثَّوابِ وَالعِوَضِ فِي الآخِرَةِ ما لا يَعدِلُهُ شَيءٌ مِن اُمورِ الدُّنيا ، ورُبَّما عُجِّلَ ذلِكَ فِي الدُّنيا إذا كانَ ذلِكَ فِي الدُّنيا صَلاحاً لِلعامَّةِ وَالخاصَّةِ . ثُمَّ إنَّ الأَرضَ في طِباعِهَا الَّذي طَبَعَهَا اللّهُ عَلَيهِ بارِدَةٌ يابِسَةٌ ، وكَذلِكَ الحِجارَةُ ، وإنَّمَا الفَرقُ بَينَها وبَينَ الحِجارَةِ فَضلُ يُبسٍ فِي الحِجارَةِ . أفَرَأَيتَ لَو أنَّ اليُبسَ أفرَطَ عَلَى الأَرضِ قَليلاً حَتّى تَكونَ حَجَراً صَلداً ، أكانَت تُنبِتُ هذَا النَّباتَ الَّذي بِهِ حَياةُ الحَيَوانِ ، وكانَ يُمكِنُ بِها حَرثٌ أو بِناءٌ؟! أفَلا تَرى كَيفَ نُقِصَت عَن يُبسِ الحِجارَةِ ، وجُعِلَت عَلى ما هِيَ عَلَيهِ مِنَ اللّينِ وَالرَّخاوَةِ ، وَليَتَهَيَّأ لِلاِعتِمادِ؟ ومِن تَدبيرِ الحَكيمِ ـ جَلَّ وعَلا ـ في خِلقَةِ الأَرضِ أنَّ مَهَبَّ الشِّمالِ أرفَعُ مِن مَهَبِّ الجَنوبِ ، فَلَم يَجعَلِ اللّهُ عز و جل كَذلِكَ إلّا لِتَنحَدِرَ المِياهُ عَلى وَجهِ الأَرضِ فَتَسقِيَها وتَروِيَها ثُمَّ يُفيضَ آخِرَ ذلِكَ إلَى البَحرِ ، فَكَما يَرفَعُ أحَدَ جانِبَيِ السَّطحِ ويَخفِضُ الآخَرَ لِيَنحَدِرَ الماءُ عَنهُ ولا تَقومَ عَلَيهِ ، كَذلِكَ جُعِلَ مَهَبُّ الشَّمالِ أرفَعَ مِن مَهَبِّ الجَنوبِ لِهذِهِ العِلَّةِ بِعَينِها ، ولَولا ذلِكَ لَبَقِيَ الماءُ مُتَحَيِّراً عَلى وَجهِ الأَرضِ ، فَكانَ يَمنَعُ النّاسَ مِن أعمالِها ويَقطَعُ الطُّرُقَ وَالمَسالِكَ . ثُمَّ الماءُ ، لولا كَثرَتُهُ وتَدَفُّقُهُ فِي العُيونِ وَالأودِيَةِ وَالأَنهارِ لَضاقَ عَمّا يَحتاجُ النّاسُ إلَيهِ لِشُربِهِم وشُربِ أنعامِهِم ومَواشيهِم ، وسَقيِ زُروعِهِم وأشجارِهِم وأصنافِ غَلّاتِهِم ، وشُربِ ما يَرِدُهُ مِنَ الوُحوشِ وَالطَّيرِ وَالسِّباعِ ، وتَتَقَلَّبُ فيهِ الحيتانُ ودَوابُّ الماءِ ، وفيهِ مَنافِعُ اُخَرُ أنتَ بِها عارِفٌ ، وعَن عِظَمِ مَوقِعِها غافِلٌ ، فَإنَّهُ سِوَى الأَمرِ الج��ليلِ المَعروفِ مِن غَنائِهِ في إحياءِ جَميعِ ما عَلَى الأَرضِ مِنَ الحَيَوانِ وَالنَّباتِ ، يَمزُجُ بِالأَشرِبَةِ فَتَلينُ وتَطَيَّبُ لِشارِبِها ، وبِهِ تُنَظَّفُ الأَبدانُ وَالأَمتِعَةُ مِنَ الدَّرَنِ[١٠] الَّذي يَغشاها ، وبِهِ يُبَلُّ التُّرابُ فَيَصلُحُ لِلاِعتِمالِ ، وبِهِ نَكُفُّ عادِيَةَ النّارِ[١١] إذَا اضطَرَمَت وأشرَفَ النّاسُ عَلَى المَكروهِ ، وبِهِ يَستَحِمُّ المُتعَبُ الكالُّ فَيَجِدُ الرّاحَةَ مِن أوصابِهِ ، إلى أشباهِ هذا مِنَ المآرِبِ الَّتي تَعرِفُ عِظَمَ مَوقِعِها في وَقتِ الحاجَةِ إلَيها . فَإِن شَكَكتَ في مَنفَعَةِ هذَا الماءِ الكَثيرِ المُتَراكِمِ فِي البِحارِ ، وقُلتَ : مَا الإِربُ فيهِ؟ فَاعلَم أنَّهُ مُكتَنَفُ[١٢] ومُضطَرَبُ ما لا يُحصى مِن أصنافِ السَّمَكِ ودَوابِّ البَحرِ ومَعدِنِ اللُّؤلُؤ وَالياقوتِ وَالعَنبَرِ ، وأصنافٍ شَتّى تُستَخرَجُ مِنَ البَحرِ ، وفي سَواحِلِهِ مَنابِتُ العودِ اليَلَنجوجِ[١٣] وضُروبٌ مِنَ الطّيبِ وَالعَقاقيرِ . ثُمَّ هُوَ بَعدُ مَركَبُ النّاسِ ومَحمِلٌ لِهذِهِ التِّجاراتِ الَّتي تُجلَبُ مِنَ البُلدانِ البَعيدَةِ ، كَمِثلِ ما يُجلَبُ مِنَ الصّينِ إلَى العِراقِ ، ومِنَ العِراقِ إلَى العِراقِ[١٤] ، فَإنَّ هذِهِ التِّجاراتِ لَو لَم يَكُن لَها مَحمِلٌ إلّا عَلى الظَّهرِ لَبارَت وبَقِيَت في بُلدانِها وأيدي أهلِها ، لِأَنَّ أجرَ حَملِها كانَ يُجاوِزُ أثمانَها فَلا يَتَعَرَّضُ أحَدٌ لِحَملِها ، وكانَ يَجتَمِعُ في ذلِكَ أمرانِ : أحَدُهما فَقدُ أشياءَ كَثيرَةٍ تَعظُمُ الحاجَةُ إلَيها ، وَالآخَرُ : انِقطاعُ مَعاشِ مَن يَحمِلُها وَيَتَعَيَّشُ بِفَضلِها . وهكَذَا الهَواءُ لَولا كَثرَتُهُ وسَعَتُهُ لَاختَنَقَ هذَا الأَنامُ مِنَ الدُّخانِ وَالبُخارِ الَّتي يَتَحَيَّرُ فيهِ ، ويَعجِزُ عَمّا يُحَوَّلُ إلَى السَّحابِ وَالضَّبابِ أوَّلاً أوَّلاً ، وقَد تَقَدَّمَ مِن صِفَتِهِ ما فيهِ كِفايَةٌ . وَالنّارُ أيضاً كَذلِكَ ، فَإِنَّها لَو كانَت مَبثوثَةً كَالنَّسيمِ وَالماءِ كانَت تُحرِقُ العالَمَ .[١٥]
[١] لأخوَتِ الأرض: أي خَلَت من الناس، أو من الخير، أو خربت وانهدمت (بحار الأنوار : ج ٥٩ ص ٣٧٨). [٢] المحاسن: ج ٢ ص ٣٤ ح ١١٠٧، بحار الأنوار: ج ٥٩ ص ٣٧٨ ح ١٦. [٣] الاحتجاج: ج ٢ ص ٢٤٥ ح ٢٢٣، بحار الأنوار: ج ٦٠ ص ١٥ ح ١٩. [٤] الاحتجاج: ج ٢ ص ٢٣٠ ح ٢٢٣ ، بحار الأنوار: ج ٦٠ ص ١٥ ح ١٩ . [٥] الغَناء: النَّفع (الصحاح: ج ٦ ص ٢٤٤٩ «غني»). [٦] الفَدْفَد: الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع (النهاية : ج ٣ ص ٤٢٠ «فدفد»). [٧] يقال : لكَ عنه مَندوحَةٌ؛ أي سَعَة وفُسحة (المصباح المنير : ص ٥٩٧ «ندح»). [٨] الأَرَبُ والإربَةُ والمَأربَةُ : الحاجة ، والجمع : المَآرِب (المصباح المنير : ص ١١ «أرب») . [٩] الرَّجْرَجَة: الاضطراب. وتَرَجْرَج الشيء: إذا جاء وذهب (الصحاح : ج ١ ص ٣١٧ «رجرج»). [١٠] الدَّرَن: الوسَخ (لسان العرب: ج ١٣ ص ١٥٣ «درن»). [١١] يقال : دفعتُ عنكَ عادِيَة فلانٍ : أي ظلمه وشرّه (الصحاح : ج ٦ ص ٢٤٢٢ «عدا») . والمراد هنا ضررها . [١٢] يقال: أنت في كَنَف اللّه تعالى؛ أي في حِرزه وستره، وهو الجانب، والظلّ، والناحية (القاموس المحيط: ج ٣ ص ١٩٢ «كنف»). والمراد: إنّ هذا الماء هو مأوى للأصناف المذكورة. [١٣] الألَنْجوج: هو العُود الذي يُتَبَخّر به؛ يقال: ألَنْجوج ويَلَنْجوج وألَنْجَج، كأنّه يَلَجّ في تضوّع رائحته وانتشارها (النهاية: ج ١ ص ٦٢ «ألنجوج»). [١٤] وفي بعض النسخ : «ومن العراق إلى الصين» . [١٥] بحار الأنوار: ج ٦٠ ص ٨٦ ح ١١ نقلاً عن توحيد المفضّل .